في قراءة إسرائيلية لمسار التصعيد الأخير، تبدو تل أبيب أمام معادلة دقيقة: رفض ما تعتبره “اختبار المعادلات” الذي حاولت طهران فرضه، من دون الانزلاق فورًا إلى مواجهة مفتوحة داخل إيران. فالهجمات الإسرائيلية الليلية حملت، وفق هذه القراءة، رسالة عسكرية وسياسية واضحة، لكنها لا تلغي أن الخيار المفضل حاليًا هو العودة إلى وقف النار، مع استمرار الضغط الاقتصادي على إيران، وترك الاختبار الحقيقي للمرة المقبلة التي تضرب فيها إسرائيل بقوة في لبنان.
وبحسب تقرير للصحافي رون بن يشاي في موقع “واينت” الإسرائيلي، فإن العمليات التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي ليل الأحد – الاثنين داخل إيران حققت الأهداف التي وضعتها إسرائيل لنفسها، إذ أوضحت للإيرانيين واللبنانيين أنها لن تقبل بالمعادلات التي يحاولون فرضها، سواء المعادلة التي تقول إن استهداف إسرائيل للضاحية يقابله إطلاق إيراني باتجاه تل أبيب، أو المعادلة التي تقول إن عدم استخدام إيران كامل قوتها الصاروخية ضد إسرائيل يفرض على إسرائيل ردًا مخففًا.
ويرى بن يشاي أن هاتين المعادلتين غير مقبولتين لدى القيادة في إسرائيل، ولذلك فإن ما فعله الجيش الإسرائيلي ليلًا هو عمليًا فتح مرحلة جديدة ضمن عملية “زئير الأسد”. وبما أن شهرين تقريبًا من وقف النار مرّا، واستطاعت خلالهما إيران ترميم جزء من منظومات الكشف والدفاع الجوي في غرب إيران ووسطها، عملت إسرائيل في موجة الهجوم الأولى على تدمير هذه المنظومة التي أُعيد ترميمها، بهدف السماح بحرية عمل جوي ضد أهداف إضافية داخل إيران، خصوصًا تلك المرتبطة بالصواريخ الباليستية، من حيث الإطلاق والإنتاج.
في المقابل، واصلت إيران تهديداتها وأدخلت جنوب لبنان أيضًا في المعادلة. فقد أصدرت قيادة الطوارئ الإيرانية بيانًا قالت فيه: “إذا استمرت العدوانية والخبث، بما في ذلك في جنوب لبنان، فإن خطوات أشد بكثير ستكون في الطريق”. وبحسب التقرير، يعني ذلك أن المعادلة بالنسبة إلى الإيرانيين لا تزال قائمة، بل إنهم يرفعون سقفها، لأن إسرائيل تواصل نشاطها.
وفي موجة الهجوم الثانية لسلاح الجو الإسرائيلي داخل إيران، استُهدف منشأ بتروكيميائي في ماهشهر على الساحل الغربي لإيران، حيث تُنتج مواد وقود للصواريخ الباليستية ومواد دفع ووقود ووسائل قتالية أخرى تستخدمها إيران.
كما استُهدفت 3 مراكز إنتاج داخل مصنع البتروكيميائيات المعروف باسم “كارون”، بهدف عملي يتمثل في إحباط الجهود الإيرانية لإعادة بناء منظومة إنتاج الصواريخ الباليستية. ووفق التقرير، لا يتعلق الأمر بمجرد رسالة حول المعادلات، بل أيضًا بخلق شروط لتعميق الإنجاز العملياتي – العسكري الذي تحقق في المرحلة السابقة من “زئير الأسد”.
ويشير بن يشاي إلى أن الكرة الآن في الملعب الإيراني، فيما تقف أمام إسرائيل حاليًا 2 من الخيارات. الخيار الأول هو التعامل مع الجولة الحالية على أنها استئناف لـ”زئير الأسد”، ومواصلة الهجمات داخل إيران، مع مساعدة الأميركيين لإسرائيل في الدفاع عن أجوائها، من دون مشاركتهم في الهجوم.
أما الخيار الثاني، وهو المفضل، فيقوم على وقف النار والعودة إلى وقف إطلاق النار كما كان قائمًا حتى الآن. ويعتبر التقرير أن هذا الخيار أفضل لعدة أسباب، أولها أن جولة قتال إضافية مع إيران من دون تعاون أميركي في الهجوم لن تحقق الكثير beyond ما تحقق سابقًا في “زئير الأسد”، وفي النهاية ستصل إسرائيل إلى وقف نار مع إضافة غير كبيرة من الإنجازات العسكرية في تدمير منظومة الصواريخ والإنتاج العسكري الإيراني.
أما السبب الثاني، فهو طلب الرئيس دونالد ترامب وقف القتال كي يتمكن من متابعة المفاوضات مع إيران بشأن مذكرة تفاهم تتيح فتح مضيق هرمز أمام الملاحة المدنية، وتمنع قدرة إيران على الوصول إلى سلاح نووي. ويجب، بحسب التقرير، أخذ مصلحة ترامب القوية في استمرار المفاوضات في الاعتبار، في ظل تزايد الضغط السياسي عليه داخل الولايات المتحدة وداخل حزبه لوقف القتال مع إيران، إضافة إلى سبب اقتصادي له بعد سياسي، وهو ارتفاع أسعار النفط في السوق العالمية وداخل الولايات المتحدة.
كما تضغط دول الخليج العربية، التي تخشى من التهديدات الإيرانية بإشعال منشآتها النفطية وتدميرها، على ترامب كي لا يجدد القتال. وهناك أيضًا كأس العالم الذي يبدأ بعد 3 أيام، ولترامب مصلحة في ألّا تحرف الحرب في الخليج انتباه العالم عن كأس العالم الخاص به.
وبسبب كل هذه العوامل، يضغط ترامب على إسرائيل لعدم مواصلة القتال. لكن في العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل خلال السنة الأخيرة ظهرت، وفق التقرير، ظاهرة لافتة: في المستوى السياسي بين ترامب ونتنياهو، أو بين حكومة إسرائيل والإدارة في البيت الأبيض، توجد تناقضات مصالح.
فإسرائيل كانت ترغب في تعميق الإنجازات العملياتية لحرب “زئير الأسد”، وفي الوقت نفسه تخشى في القدس من اتفاق يوقّع بين الولايات المتحدة وإيران، لأنه سيكون بالضرورة اتفاقًا سيئًا بالنسبة إلى إسرائيل، حتى لو حصل ترامب على كل البنود التي يريدها في الملف النووي.
وتخشى إسرائيل من أن أي اتفاق، حتى إذا عُدّ جيدًا من وجهة نظر ترامب، سيتضمن حتمًا رفع العقوبات وإعادة الأموال المجمدة إلى إيران، ما يسمح للقيادة الإيرانية الجديدة والمتشددة بترميم قدراتها العسكرية – الصناعية ومساعدة حلفائها، خصوصًا حزب الله. لذلك تخشى إسرائيل من مذكرة تفاهم تقود إلى اتفاق سيئ بالنسبة إليها في كل الأحوال. ويشير التقرير إلى أنه يجب التذكير بأن من المرجح جدًا أن يكون في الولايات المتحدة رئيس جديد بعد سنتين، وأنه سيكون أقل ودًا تجاه إسرائيل من ترامب.
وبنتيجة هذه الحسابات، كانت الحكومة في القدس تفضل الآن مواصلة القتال ضمن “زئير الأسد” إلى جانب الولايات المتحدة، لكن ترامب يريد متابعة المفاوضات، ولذلك يطلب من نتنياهو التوقف.
غير أن الرئيس الأميركي يفعل ذلك بطريقة خاصة: فمن جهة، يمنع البنتاغون و”سنتكوم” من المشاركة مع الجيش الإسرائيلي في الهجوم على إيران، وفي الوقت نفسه، وعلى الأقل حتى صباح اليوم، يسمح لـ”سنتكوم” بتنسيق النشاط العسكري مع إسرائيل والمشاركة بشكل فعال في العمليات الدفاعية لحماية إسرائيل.
وهكذا نشأ وضع يطلب فيه ترامب من إسرائيل، على المستوى السياسي، وقف القتال، بينما يستمر التعاون العسكري الدفاعي في المستوى العسكري. فالأميركيون لا يهاجمون. ونقل التقرير عن مصدر عسكري في إسرائيل قوله: “هم شركاء معنا في الدفاع”.
وفي هذا الوضع المعقد، فإن الخيار المفضل لدى إسرائيل هو العودة إلى ما كان قائمًا قبل أن تطلق إيران النار أمس باتجاه إسرائيل. أي أن تتحرك إسرائيل في ساحة لبنان وغزة وضد الحوثيين، لكنها لا تهاجم داخل إيران. وفي المقابل، يواصل الأميركيون مساعدة إسرائيل دفاعيًا إذا هاجمتها إيران، والأهم أنهم يواصلون الحصار الاقتصادي على إيران، من دون تحويل أموال مجمدة إليها أو رفع العقوبات عنها. أي وضع لا قتال فيه، لكن مع استمرار الضغط الاقتصادي الذي يزعزع استقرار النظام.
وفي هذا السياق، يلفت التقرير إلى ظاهرة داخل إيران. فالقيادة الجديدة التي تدير إيران اليوم متشددة، لكنها غير قادرة على التوصل إلى تفاهمات بين كبار مسؤوليها بشأن المفاوضات ومذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة.
ويعتبر التقرير أن مجتبى خامنئي لا يمتلك صفات القيادة التي كان يتمتع بها والده، الذي قُتل مع القيادة المدنية والعسكرية في الضربة الافتتاحية لـ”زئير الأسد”. ولذلك، فهو عمليًا نوع من “الدمية” بين تيارات مختلفة داخل الحكم الإيراني، أبرزها قادة الحرس الثوري وآيات الله المحافظون المتشددون الذين يتخذون خطًا متطرفًا حتى لو أدى إلى دمار في إيران، في مقابل رجال الحكم المدني، وفي مقدمهم رئيس البرلمان قاليباف والرئيس بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي، الذين يريدون التوصل إلى تفاهمات مع الولايات المتحدة ولو بثمن تنازلات.
ولا ينجح أي طرف في شد الحبل بين هذين المعسكرين في فرض موقفه على الطرف الآخر، فيما يتأرجح القائد الأعلى، خامنئي الابن، ولا ينجح في حسم الخلاف. ونتيجة لذلك، لا يستطيع ترامب الوصول إلى خلاصة نهائية، حتى على مستوى وثيقة تفاهم تشكل إطارًا لمواصلة المفاوضات. لذلك، تحتاج الولايات المتحدة أيضًا إلى فترة إضافية من الهدوء، خصوصًا مع اقتراب انتخابات منتصف ولاية ترامب في تشرين الثاني، ومع انطلاق كأس العالم هذا الأسبوع.
وأعلن ترامب أن إسرائيل وإيران تريدان وقف النار، ومن هنا، إذا لم يجدد الإيرانيون القتال بمبادرة منهم، فإن إسرائيل والولايات المتحدة تفضلان الاستمرار في وقف النار وفق الصيغة التي كانت قائمة حتى أمس: إسرائيل تواصل القتال في جنوب لبنان، والولايات المتحدة تواصل المفاوضات والحصار على هرمز.
أما الاختبار للوضع الهش الجديد، فسيكون في المرة المقبلة التي تضرب فيها إسرائيل بقوة في لبنان. ويلفت التقرير إلى أن حزب الله لم ينضم أمس إلى عمليات الإطلاق الإيرانية، رغم أن عناصر من مستوى القيادة الوسطى لديه قُتلوا في هجوم الجيش الإسرائيلي على الضاحية. وقد يدل ذلك، بحسب التقرير، على أن الإيرانيين أيضًا لا يريدون استمرار القتال، ويدركون أنه إذا أطلق حزب الله كل ما لديه، فإن إسرائيل ستنطلق إلى حملة كبيرة في لبنان، وعندها ستضطر طهران أيضًا إلى الانضمام، وستتجدد الحرب بكامل قوتها.
ويخلص التقرير إلى أن الإيرانيين لا يريدون ذلك، وكذلك الولايات المتحدة وإسرائيل. لذلك، من المرجح جدًا أن تنتهي الجولة الحالية خلال الساعات المقبلة، وأن يستمر الوضع الذي كان قائمًا سابقًا.
بهذا المعنى، تبدو إسرائيل وكأنها رفضت معادلات إيران بالنار، لكنها لا تزال تفضّل أن تبقى الحرب الكبرى مؤجلة، وأن يكون لبنان ساحة الاختبار المقبلة لهذا التوازن الهش.
