كتبت جويس الحويس في موقع Jnews Lebanon
في يومٍ مشهود سيبقى محفوراً في ذاكرة الشمال اللبناني، طوى لبنان عقوداً من الإهمال المزمن والحرمان الممنهج، مع الإطلاق الرسمي لمشروع تطوير وتشغيل مطار الشهيد رينيه معوّض في القليعات بعكار. الحدث الذي اتخذ طابعاً سيادياً وإنمائياً بامتياز، لم يكن مجرد قصّ شريط تقليدي، بل شكّل “انتفاضة شرعية” بسطت عبرها الدولة اللبنانيّة حضورها الاقتصادي والأمني على حدودها الشمالية.
اقرأ أيضاً خاص- كواليس اتصال بري بالسفيرة معوض.. هل ينجح خط “عين التينة – واشنطن”؟
سردية يوم الافتتاح
بدأت مراسم الافتتاح بحدث حبس الأنفاس وحمل دلالات عملية فورية؛ حيث انطلقت من مدرج مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت طائرة رسمية على متنها رئيس مجلس الوزراء نواف سلام ووزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني.
دقائق معدودة، حتى كانت أجهزة الملاحة في مطار القليعات تعلن جهوزيتها، لتحطّ الطائرة الحكومية بسلام على المدرج التاريخي للشمال، تلتها مباشرة طائرة ثانية في الموقع، معلنةً بالدليل القاطع أن المطار جاهز فنياً وعملياتياً لاستقبال الملاحة الجوية، وسط تصفيق حار ودموع استبشار من أبناء عكار والشمال الذين تقاطروا لمواكبة هذا السبق الإنمائي.
رئيس الحكومة نواف سلام وضع الأصبع على جرح الشمال في كلمته النارية، مؤكداً أن تشغيل المطار هو “قرار سياسي وإنمائي ووطني بامتياز”، ولن تبقى عكار بعد اليوم خارج الأولويات بعد أن سجلت أعلى معدل فقر في لبنان بنسبة 62%.
اقرأ أيضاً مطار القليعات: اليكم التواريخ!
سلام ربط الحاضر بالماضي مستدعياً الرمزية الوطنية للمطار الذي شهد عام 1989 ولادة “اتفاق الطائف” وانتخاب الرئيس الشهيد رينيه معوض، جازماً بأن استكمال الطائف لا يقتصر على الإنماء، بل يفرض “أن تُبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية، وأن يُحصر قرار الحرب والسلم بيدها”.
من جانبه، فجّر وزير الأشغال فايز رسامني مفاجأة سارة بإعلانه أن المطار سيدخل حيز التنفيذ الفعلي خلال بضعة أسابيع فقط، لتنطلق الرحلات الجوية مباشرة من عكار نحو عواصم إقليمية بارزة كـ دبي، إسطنبول، ومرسين، بالتعاون مع المبادرة الوطنية التي أطلقها رئيس مجلس إدارة شركة Al Mulla Group المالكة لـ Sky Lounges Services زياد المنلا.
مصادر ومعلومات حصرية لـ JNews Lebanon: ما هي الأهمية الحقيقية للمطار؟
خلف الخطابات الرسمية ومظاهر الاحتفال، كشفت مصادر سياسية وديبلوماسية رفيعة المستوى لـ JNews Lebanon عن الأبعاد الحقيقية الفائقة الأهمية الكامنة وراء الإصرار الحكومي على تشغيل مطار رينيه معوض في هذا التوقيت بالذات:
1. كسر الاحتكار والمنفذ الجوي البديل (أمن قومي)
تكشف مصادرنا الأمنية أن تشغيل مطار القليعات يُعد خطوة إستراتيجية لحماية “الأمن القومي اللبناني”. ففي ظل الأوضاع الإقليمية المتفجرة والتهديدات المستمرة، كان اعتماد لبنان على مطار جوي وحيد (مطار بيروت) يشكل نقطة ضعف قاتلة للاقتصاد والسيادة. مطار القليعات، جغرافياً وأمنياً، يشكل اليوم “المنفذ الجوي الاحتياطي والبديل” للدولة اللبنانية، مما يضمن استمرار تواصل لبنان مع العالم الخارجي وحمايته من أي حصار جوي أو عسكري قد يُفرض على العاصمة.
2. الخصائص الفنية الخارقة: هبوط دون عوائق وطقس مثالي
وفقاً لمعلومات فنية حصرية حصل عليها موقعنا من دوائر الطيران المدني ودار الهندسة، يتمتع مطار القليعات بمزايا تفوق مطار بيروت في بعض الجوانب:
الموقع الجغرافي: منبسط تماماً ولا تحيط به جبال أو عوائق سكنية وعمرانية، مما يسهل عمليات الهبوط والإقلاع للطائرات الضخمة وعملاقة الشحن.
الطقس والمناخ: أثبتت الدراسات الفنية أن منطقة القليعات لا تتعرض للمطبات الجوية أو الضباب الكثيف الذي يؤثر عادة على حركة الطيران في بيروت، مما يجعله من آمن المطارات في شرق المتوسط.
3. عاصمة الشحن والترانزيت الإقليمي (الربط الثلاثي)
تؤكد مصادر اقتصادية لـ JNews Lebanon أن الخطة الموضوعة للمطار تتجاوز نقل الركاب؛ الهدف الأساسي هو تحويله إلى “مستودع الشحن اللوجستي الأول لشرق المتوسط”. المطار يقع على بعد كيلومترات قليلة من الحدود السورية، وملاصق لشبكة السكك الحديدية القديمة ومرفأ طرابلس. هذا “الربط الثلاثي” (جوي – بحري – بري) سيجعل من عكار المنصة الرئيسية والمركزية لإعادة إعمار المنطقة وربط خطوط التجارة بين الخليج العربي، سوريا، تركيا، وأوروبا.
4. الانتعاش الاقتصادي وخلق 15 ألف فرصة عمل
المعلومات الخاصة بموقعنا تشير إلى أن تشغيل المطار بشكل كامل خلال المرحلة المقبلة سيخلق نهضة اقتصادية كبرى في الشمال، ومن المتوقع أن يوفر أكثر من 15 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة لأبناء عكار والمنية وطرابلس، في مجالات الصيانة، الخدمات اللوجستية، الجمارك، الفندقة، السياحة، والنقل البري، مما يرفع عن عكار صفة المحافظة الأكثر فقراً في لبنان.
اقرأ أيضاً خاص- هل يورط اتفاق واشنطن الجيش اللبناني.. أم يمهد لإنهاء منظومة حزب الله بالكامل؟
في المحصّلة، يتجاوز إقلاع مطار القليعات حدود عكار الجغرافيّة ليرسم خط تّماس سيادي جديد بين مفهومين: دولة الوفاق الوطني الحريصة على أمنها القومي واستقلال منافذها، ودويلات الأمر الواقع التي رهنت سيادة البلاد للمحاور الإقليمية.
المعركة الحقيقيّة للمطار لن تكون في تأهيل المدرجات ولا في جذب الاستثمارات، بل في قدرة حكومة نواف سلام والمؤسسة العسكريّة على حماية هذا المرفق الإستراتيجي من “فيتوهات” التعطيل السياسي، وتحويله من مجرد “منفذ جوي بديل” تحت وطأة الأزمات، إلى ركيزة ثابتة في بنية اقتصاد حرّ يبسط سلطة الشرعية وحصرية قرارها من بيروت إلى أبعد نقطة في الشمال والجنوب.
