كتبت منال زعيتر في اللواء
رغم قساوة ردّ رئيس مجلس النواب نبيه بري على «إعلان النيات» الذي تمخض عن المفاوضات المباشرة بين لبنان والعدو الإسرائيلي، إلّا ان الرد الأهم يكمن فيما لم يقله رئيس المجلس، فالرجل الذي يرفض أساسا مبدا التفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي، لم يعلن انهيار المسار التفاوضي القائم، ولم يقطع خطوط التواصل مع الأميركيين والقطريين والسعوديين أو سائر الوسطاء، بل أكد على الثوابت، واكتفى بوضع شرطين أساسيين للنظر بهذا الإعلان: وقفا شاملا لإطلاق النار برا وبحرا وجوا وبدون تجريف وهدم كل ما هو قائم، وانسحابا متزامنا لحزب الله من جنوب الليطاني، والعدو الإسرائيلي من المناطق التي يحتلها، معتبرا ان ما تبقّى منه «جائرا لا يستحق الذكر».
هذه الصيغة، تعني، وفقا لقيادي كبير في الثنائي الوطني، ان بري ترك عمدا وبقرار مدروس باب التفاوض مفتوحا بين عين التينة وباقي الوسطاء المؤثرين، وانه أراد من خلال ردّه تثبيت سقف تفاوضي جديد وفق الشرطيين المذكورين، بدلا من إعلان انهيار المسار التفاوضي بالكامل، معيدا الكرة إلى الملعب الأميركي لإعادة النظر في مضمون الإعلان بما ينسجم مع الأولويات اللبنانية.
ويكشف القيادي، ان رئيس المجلس كان يواكب بصورة غير مباشرة مرحلة التحضير لورقة إعلان النيات عبر قنوات التواصل المفتوحة مع الوسطاء، ومن خلال موفده في قطر النائب علي حسن خليل، على أمل أن يتضمن الإعلان عناصر إيجابية يمكن البناء عليها للوصول الى وقف شامل لاطلاق النار، وانسحاب العدو الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة، وعودة النازحين الى قراهم والبدء بإعادة الإعمار وإطلاق الأسرى.
تفاجأ بري وفقا للقيادي بهذا البيان السيئ، بعدما تجاوز مسالة وقف اطلاق النار الى طرح ترتيبات سياسية وأمنية تتعلق بمستقبل المقاومة ودورها، فضلا عن تبنّي مواقف أميركية لا علاقة لها أساسا بهدف التفاوض المعلن من السلطة، وبالتالي جاء ردّه على هذا البيان ليعيد الكرة عمليا الى الملعب الأميركي للتصرف وفق الثوابت التي وضعها بري بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن حزب الله، للموافقة على «إعادة نظر» الثنائي بهذا الإعلان.
هنا تحديدا، يكشف القيادي ان واشنطن عادت مجدّدا على خط إعادة ترتيب الموقف واحتواء تداعيات الرفض الشيعي القاطع لإعلان النيات، والذي جاء على لسان بري وأمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم، كاشفا، ان بري تبلّغ عبر الوسطاء عن توجه داخل الإدارة الأميركية للبحث عن مخرج يسمح بإعادة صياغة بعض البنود أو تفسيرها بالأحرى بما يتوافق مع ملاحظاته، وما يطلبه لوقف الحرب بين لبنان والعدو الإسرائيلي.
وفي هذا التوقيت، أتت زيارة قائد الجيش اللبناني العميد رودولف هيكل الى عين التينة بناءً على طلب بري، لتضيف بُعدا عمليا الى النقاش الدائر حول إعادة تفسير بعض بنود «إعلان النيات»، لا سيما لجهة الدور الأساسي الذي ستلعبه المؤسسة العسكرية في أي ترتيبات محتملة لاتفاق وقف اطلاق النار.
وسرّب القيادي لـ «اللواء» معلومات تكشف للمرة الأولى عن ان الإدارة الأميركية أبلغت الوسطاء استعدادها للتعقيب على البنود محل الخلاف، وإعادة تفسيرها مجدّدا من دون التزام لبنان والعدو بنصها الحرفي، بما ينسجم مع مطالب بري، على أن يتم ذلك بضمانات أميركية كاملة، وهو ما يمكن أن يشكّل، وفقا للقراءة الأميركية، مخرجا للاستمرار في مسار المفاوضات وإنجاحها.
وتبعا لهذه المعطيات، لمّح القيادي الى ما يبدو انه معلومات وصلت الى بيروت خلال الأربع وعشرين ساعة الماضية، عن إمكانية أن تقدم واشنطن في المرحلة المقبلة على إصدار توضيحات أو تفسيرات سياسية لبعض فقرات «إعلان النوايا»، التي تحدث عنها رئيس المجلس، بما يتناسب مع ما طرحه.
وعلى ما يبدو فإن موقف بري بترك الباب مواربا، يرتبط بقناعة لدى الثنائي بان الاتفاق «الإيراني – الأميركي» المنتظر سينعكس مباشرة على الساحة اللبنانية، لذلك لعب بري «لعبة معلم» بالإبقاء على قنوات التواصل قائمة مع كل الوسطاء، بانتظار اتضاح صورة التسويات الكبرى في المنطقة.
ولهذا يمكن القول ان المفاوضات الحقيقية بدأت الآن، وأولى نقاطها مرحلة تفسير بيان إعلان النيات وإعادة صياغة بعض بنوده، ومحاولة إيجاد مخارج تتوافق مع مطالب الثنائي لوقف الحرب.
أما السؤال الأهم، فهو عن مدى جدّية واشنطن بالتعامل مع ملاحظات بري باعتبارها أساسا للنظر بورقة إعلان النيات، ومدى تجاوب نتنياهو وإدارته مع التوجه الأميركي الجديد، على اعتبار ان رد بري وقبله حزب الله كان واضحا لجهة ان أي تسوية لن تمرّ ما لم تتضمن أولا وقفا شاملا للحرب وانسحابا إسرائيليا من الأراضي اللبنانية المحتلة، وعودة الأسرى والنازحين وإعادة الإعمار.
وفي هذا السياق، لم يغب عن المشهد، ما قاله الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول تواصله المباشر مع حزب الله، وكان لافتا هنا، تعمّد الحزب عدم نفيه أو تأكيده حصول هذا التواصل، في مقابل التشديد على ان أي رسائل أو مواقف للثنائي تمرّ عبر قنوات التواصل بين بري والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى.
