خاص موقع Jnews Lebanon
دخلت الأزمة اللبنانية مرحلة هي الأكثر دقة وتعقيداً في تاريخ العلاقات الدبلوماسية والعسكرية الإقليمية، مع تحول أروقة وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن إلى ساحة مواجهة سياسية مكشوفة بين الدولة اللبنانية والمحور الإيراني. وعقب ساعات من إعلان الإدارة الأميركية عن “الاتفاق الإطاري” المنبثق عن الجولة الرابعة للمفاوضات العسكرية، سارعت طهران وذراعها في بيروت، “حزب الله”، إلى إجهاض مسعى وقف إطلاق النار الشامل، مما يضع مؤسسات القرار الرسمي في لبنان أمام واقع سياسي وميداني عاصف.
اقرأ أيضاً في الحصاد- تفكيك وحظر السلاح: “خطة واشنطن” تضع لبنان أمام التزام أمني مرعب ومصيري!
هذا التطور، وإن بدا متوقعاً في الحسابات الإستراتيجية للمراقبين، إلا أنه كرّس بوضوح وللمرة الأولى معادلة ديبلوماسية دولية تسعى إلى “فصل المسار اللبناني” عن الأجندات الإقليمية، وتحديداً الإيرانية منها.
كواليس التفاوض: تعليق الجلسة وتدخل روبيو الحاسم
تفيد معلومات ومصادر خاصة بموقع JNews Lebanon بأن الساعات التي سبقت صدور البيان الأميركي فجر اليوم، شهدت حبساً للأنفاس وإدارة معقدة لخطوط الاتصال الساخنة قادها رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون من قصر بعبدا، بالتنسيق مع الإدارة الأميركية للضغط على حكومة بنيامين نتنياهو.
وتكشف مصادرنا أن الوفد اللبناني المفاوض، برئاسة السفير سيمون كرم، واجه تعنتاً إسرائيلياً كبيراً في البنتاغون؛ حيث اتخذ السفير كرم قراراً حاسماً بـتعليق جولة المفاوضات بالكامل، رافضاً الانتقال إلى أي بند تقني أو تفصيل ميداني قبل الحصول على التزام صريح بوقف شامل وفوري لإطلاق النار. هذا الموقف اللبناني الصارم استدعى تدخلاً مباشراً من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي ضغط على الجانب الإسرائيلي لاستئناف الجلسات، والتي انتهت بالاستجابة للمطلب اللبناني الأساسي.
وفي لقاء مع الصحافيين في قصر بعبدا، وضع الرئيس عون النقاط على الحروف، واصفاً هذا الاتفاق بـ**”الفرصة الأخيرة للدخول في وقف نهائي وشامل لإطلاق النار”**، مشدداً على أن كل طرف سيتحمل مسؤولياته التاريخية في حال عدم التجاوب. وأوضح عون أن الجانب الأميركي ينتظر الأجوبة النهائية من الأطراف الداخلية، وتحديداً “حزب الله”، لإعلان ساعة الصفر، كاشفاً أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيكون هو الضامن المباشر والمنفّذ لهذا الاتفاق، الذي قد يبدأ تطبيقه خلال 24 ساعة من تقديم الضمانات المتبادلة.
اقرأ أيضاً خاص- هل يورط اتفاق واشنطن الجيش اللبناني.. أم يمهد لإنهاء منظومة حزب الله بالكامل؟
بنود “الاتفاق الإطاري”: سيادة كاملة و”مناطق تجريبية”
حمل البيان المشترك الصادر عن واشنطن أبعاداً سيادية غير مسبوقة، صُممت لإنهاء ما يُعرف بـ”الوصاية الخارجية” على القرار اللبناني، وتركزت معالمه على ثلاثة محاور رئيسية:
- حصرية القرار الحكومي: نص الاتفاق صراحة على أن مستقبل العلاقات بين لبنان وإسرائيل تقرره حصراً الحكومتان السياديتان، مع رفض مطلق ومكتوب لأي محاولة من دولة خارجية أو جهة غير حكومية لفرض الوصاية على مستقبل لبنان أو احتجاز قراره.
- المناطق التجريبية وسحب السلاح: يقضي المقترح ببدء وقف إطلاق النار بالتزامن مع إخلاء عناصر حزب الله من منطقة جنوب الليطاني، وإنشاء “مناطق تجريبية” تبسط فيها القوات المسلحة اللبنانية (الجيش) سيطرتها الحصرية، مع استبعاد ونزع سلاح أي مجموعات مسلحة غير تابعة للدولة.
- الجغرافيا المحددة للانتشار: علِم موقع JNews Lebanon أن الخطة المرفوعة من الوفد اللبناني اقترحت أن تكون نقطة الانطلاق لتطبيق آلية “المناطق التجريبية” في بلدات: الزوطرين الشرقية والغربية، يحمر، وقلعة الشقيف، نظراً لرمزيتها الجغرافية والأمنية وقربها من مدينة النبطية.
الفيتو الإيراني: قاآني وقاسم يرفضان معادلة واشنطن
لم يتأخر الرد الإيراني في محاولة لقطع الطريق على ديبلوماسية الدولة اللبنانية؛ إذ سارع قائد فيلق القدس في الحرس الثوري، إسماعيل قاآني، إلى وضع شروط طهران السقوف المرتفعة، معتبراً أن “الحد الأدنى لمطالب المقاومة هو انسحاب الكيان إلى حدود ما قبل الحرب”.
وفي السياق ذاته، أعلن الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم، الرفض القاطع لمخرجات واشنطن، واصفاً المفاوضات المباشرة بـ”العبثية والمذلة للبنان”، ومؤكداً أن “المقاومة لم تعطِ التزاماً لأحد بعدم الرد على العدوان”، مما أجهض رسمياً الشق المتعلق بالتزامات الحزب الميدانية في الاتفاق الإطاري.
اقرأ ايضا خاص- كواليس البنتاغون: هذا ما قاله الوفد اللبناني لإسرائيل!
السراي الحكومي يرد
في المقابل، شكلت الجلسة الصباحية لمجلس الوزراء منصة للرد الرسمي والضمني على مواقف الحزب؛ حيث أطلق رئيس الحكومة نواف سلام مواقف بالغة الأهمية والدلالة، مؤكداً أن “مسار التفاوض الذي اخترناه هو الطريق الأسرع والأقل كلفة على لبنان واللبنانيين، وعلى الجنوب والجنوبيين”.
وفي موقف عالي النبرة السيادية، أوضح الرئيس سلام أن إخلاء منطقة جنوب الليطاني من المسلحين والسلاح، وحصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، “ليس شرطاً فرضه أحد علينا، بل هو تعهد التزم به لبنان أمام المجتمع الدولي عبر القرار 1701، ونص عليه اتفاق الطائف والبيان الوزاري للحكومة”. ووجّه سلام تحذيراً شديداً قائلاً: “من يرفض أو يماطل، يتحمّل وحده وزر ما قد يترتّب على ذلك أمام التاريخ، والأهم أمام الشعب اللبناني”.
الحراك الدبلوماسي: اليد السعودية الخفية ونصائح لودريان
على المقلب الدبلوماسي العربي والدولي، علِم موقع JNews Lebanon من مصادر واسعة الاطلاع، أن المملكة العربية السعودية قادت حراكاً خلفياً ومحورياً لتهدئة الساحة اللبنانية وفتح قنوات التواصل؛ حيث جرى فتح خط ساخن ومباشر بين الرياض وعين التينة منذ اللحظات الأولى لانطلاق المفاوضات، وتوّج ذلك باتصال صباحي بين المبعوث السعودي الأمير يزيد بن فرحان ورئيس مجلس النواب نبيه بري لبحث المخرج السياسي الملائم. بالتزامن، حطّ الموفد الفرنسي جان إيف لودريان في بيروت، حاملاً تحذيرات فرنسية بضرورة عدم إعطاء إسرائيل الذرائع لعرقلة انسحابها من الأراضي التي احتلتها مؤخراً في الجنوب.
الميدان والتهديد الأميركي: “الضوء الأخضر” تحت الرماد
ميدانياً وسياسياً، تبدو الأجواء الإسرائيلية والأميركية متجهة نحو التصعيد في حال تثبيت الرفض الإيراني؛ فقد اعتبرت الحكومة الإسرائيلية أن إبعاد حزب الله عن المعادلة السياسية في واشنطن يعد “إنجازاً غير مسبوق”. وفي المقابل، نقلت أوساط ديبلوماسية عبر موقع (أكسيوس) تحذيراً أميركياً صريحاً: إذا أصرّ حزب الله على مواصلة إطلاق الصواريخ ورفض الاتفاق الإطاري، فإن ذلك سيدفع الرئيس دونالد ترامب إلى منح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو “الضوء الأخضر الكامل لتصعيد الحملة العسكرية وتوسيعها في لبنان”.
تأتي هذه التحذيرات بالتزامن مع إصدار الجيش الإسرائيلي إنذارات صارمة للمواطنين اللبنانيين بعدم التوجه جنوب نهر الزهراني حتى إشعار آخر، وسط استمرار الغارات العنيفة على مناطق الجنوب والبقاع الغربي.
اقرأ أيضاً خاص- بين السلم والانهيار: JNews تكشف بالاسماء من نهب اموال المودعين عام 2019
أمام هذا المشهد المفتوح على كافة الاحتمالات، نجح لبنان الرسمي في انتزاع وثيقة ديبلوماسية تاريخية بضمانة أميركية مباشرة، لتنتقل الكرة بالكامل إلى مربع “حزب الله” وطهران: فإما السير تحت سقف الدولة وتلقف “الفرصة الأخيرة”، وإما الدخول في مواجهة عسكرية شاملة ومدمّرة بغطاء دولي غير مسبوق.
