ينفرد “ليبانون ديبايت” بنشر الرسالة التي وجّهها الاتحاد الدولي لرابطات طياري الخطوط الجوية “IFALPA” إلى حاكم مصرف لبنان كريم سعيد، والتي تضمنت سلسلة اتهامات وملاحظات تتعلق بثقافة السلامة الجوية داخل شركة طيران الشرق الأوسط “MEA” وآليات إدارة التقارير المرتبطة بالسلامة وعلاقة الإدارة بالطيارين.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية استثنائية ليس فقط بسبب الجهة التي أصدرتها، بل أيضاً بسبب التداعيات التي قد تنتج عنها على صورة قطاع الطيران المدني اللبناني. فمطار رفيق الحريري الدولي هو المنفذ الجوي الوحيد للبنان إلى العالم الخارجي، وأي تشكيك دولي بمستوى السلامة فيه ينعكس مباشرة على سمعة البلاد وثقة شركات الطيران والمؤسسات الدولية العاملة في هذا القطاع.
وبحسب مراجعة مضمون الرسالة، فإنها تتحدث عن “بيئة مخاطر متصاعدة” واحتمال وقوع حوادث طيران وتعريض الركاب والطواقم الجوية للخطر، إلا أنها لا تتضمن عرضاً لحوادث جوية موثقة أو تقارير تدقيق مستقلة أو تحقيقات فنية تثبت وجود خطر تشغيلي مباشر بالحجم الذي توحي به الاتهامات الواردة فيها.
وتكشف مصادر مطلعة لـ”ليبانون ديبايت” أن خلفية التصعيد الحالي تعود إلى خلافات مزمنة بين نقابة الطيارين اللبنانيين وإدارة شركة طيران الشرق الأوسط، تتصل في جزء كبير منها بملفات مهنية ومادية، وفي مقدمها الرواتب والحوافز والتقديمات المالية.
وتؤكد المصادر أن هذه الملفات حضرت بقوة خلال لقاءات النقابة مع المسؤولين الرسميين. وبحسب المعلومات، فإن عدداً من الطيارين يطالبون منذ سنوات بمراجعة رواتبهم بما يقارب المستويات المعتمدة في شركات الطيران العالمية، رغم أن رواتب الطيارين في “الميدل إيست” تُعد من بين الأعلى في لبنان وتتجاوز في كثير من الحالات 10 آلاف دولار شهرياً.
غير أن الأخطر، وفق المصادر، لا يتعلق بالخلافات المالية بحد ذاتها، بل بالوسيلة المعتمدة لإدارتها. فطرح ملف السلامة الجوية اللبنانية على المستوى الدولي وتحويله إلى مادة سجال خارج الحدود اللبنانية يضع مطار بيروت وقطاع الطيران المدني بأكمله تحت مجهر المؤسسات الدولية وشركات الطيران العالمية.
وفي هذا الإطار، تطرح المصادر سؤالاً مهنياً أساسياً: إذا كان الاتحاد الدولي لرابطات طياري الخطوط الجوية “IFALPA” يعتبر فعلاً أن هناك خطراً جسيماً يهدد سلامة الركاب والطائرات ويعرّض الأرواح للخطر، فلماذا لم يتجه إلى منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) أو إلى الهيئات الرقابية الدولية المختصة للمطالبة بإجراءات عاجلة أو تحقيق فوري؟ ولماذا اختار توجيه رسالته إلى حاكم مصرف لبنان بصفته المساهم الأكبر في الشركة؟ وتعتبر المصادر أن الإجابة عن هذا السؤال كفيلة بتحديد ما إذا كان الأمر يتعلق فعلاً بملف سلامة طيران يستوجب تدخلاً تقنياً عاجلاً، أم بنزاع إداري ونقابي جرى نقله إلى الساحة الدولية تحت عنوان السلامة الجوية.
وتلفت المصادر إلى أن الرسالة تعتمد بصورة أساسية على معطيات وشكاوى صادرة عن نقابة الطيارين اللبنانيين، من دون الإشارة إلى تحقيق مستقل أو تدقيق خارجي أو تقرير رقابي محايد خلص إلى النتائج نفسها، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول مدى استناد الاتهامات المطروحة إلى وقائع تقنية مثبتة أو إلى وجهة نظر أحد أطراف النزاع القائم.
أما الاتهام الأخطر في الرسالة، فيتعلق بالإشارة إلى ما وصفته بـ”تعويضات مباشرة” تُدفع لموظفين في المديرية العامة للطيران المدني ووزارة الأشغال العامة والنقل من قبل إدارة الشركة، في إيحاء واضح بأن هذه المساعدات تؤثر على استقلالية الرقابة. غير أن المصادر تؤكد أن هذه المساهمات لم تكن محصورة بمديرية الطيران المدني، بل جاءت في سياق استثنائي فرضه الانهيار المالي الذي أصاب مؤسسات الدولة، وشملت إدارات ومرافق متعددة بموافقة الجهات الرسمية المعنية، بهدف ضمان استمرارية العمل ومنع انهيار الخدمات الأساسية المرتبطة بالمطار والطيران المدني.
كما تنتقد الرسالة استمرار تشغيل الرحلات الجوية خلال فترات الحرب والتوترات الأمنية، وتعتبر ذلك مخاطرة غير مبررة. إلا أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أن إبقاء مطار رفيق الحريري الدولي مفتوحاً خلال تلك المرحلة لم يكن قراراً تجارياً فحسب، بل قراراً وطنياً حال دون عزل لبنان بالكامل عن العالم الخارجي، في وقت كانت البلاد بأمسّ الحاجة إلى استمرار حركة السفر والإجلاء والنقل.
كما تتقاطع هذه الحملة مع تحركات نقابية داخل أروقة الاتحاد الدولي لرابطات الطيارين، في ظل تباينات قائمة بين نقابة الطيارين وإدارة الشركة، ما يطرح تساؤلات إضافية حول الخلفيات الفعلية للتصعيد القائم وأهدافه.
وتشير المصادر إلى أن ما يثير الاستغراب في الحملة الحالية أنها تتجاهل التطورات التي شهدها قطاع الطيران المدني اللبناني خلال السنوات الأخيرة على مستوى تعزيز معايير السلامة والرقابة. فملفات ومخالفات عدة كشفها جهاز أمن الدولة خلال السنوات الماضية، وأدت إلى تحقيقات وملاحقات قضائية بحق عدد من المتورطين، وكان لـ”ليبانون ديبايت” دور بارز في فضح عدد منها ووضعها أمام الرأي العام والجهات المختصة، ما ساهم في تصويب مسار العديد من الملفات الحساسة.
كما بذلت المديرية العامة للطيران المدني جهوداً كبيرة لإعادة تنظيم القطاع واستعادة الثقة به، والعمل على إعادة بناء سمعة وهيبة صناعة الطيران المدني اللبناني على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، في ظل ظروف مالية وأمنية استثنائية واجهها لبنان خلال السنوات الماضية. وترى المصادر أن هذه الوقائع لا تعني انتفاء الحاجة إلى التطوير المستمر، لكنها تتناقض مع الصورة التي تحاول الرسالة رسمها وكأن قطاع الطيران المدني اللبناني يفتقد بالكامل إلى الرقابة أو الإرادة الإصلاحية.
وترى المصادر أن ما يثير القلق ليس مضمون الخلاف بحد ذاته، بل النتائج التي قد تترتب عليه. فإضعاف الثقة الدولية بمطار بيروت قد يقود إلى تداعيات تتجاوز حدود النزاع النقابي لتطال الحركة الجوية والاقتصاد الوطني وصورة لبنان الخارجية.
كما تربط المصادر بين التصعيد الحالي والتحركات التي تقودها الكابتن رولا حطيط داخل الاتحاد الدولي لرابطات الطيارين، حيث تشغل منصب Executive Vice-President Africa & Middle East (AFI/MID)، معتبرة أن الملف تجاوز، في جانب منه، الإطار المهني البحت ليتداخل مع حسابات نقابية وتمثيلية داخل الهيئات الدولية المعنية بالطيران.
وتذهب المصادر أبعد من ذلك بالقول إن إسرائيل، رغم الحرب والاعتداءات والتهديدات الأمنية التي تعرض لها لبنان خلال الأشهر الماضية، لم تتمكن من إقفال مطار بيروت أو عزله عن العالم الخارجي. أما اليوم، فإن الخشية تكمن في أن يؤدي التصعيد القائم إلى تحقيق ما عجزت عنه الحرب، عبر ضرب الثقة الدولية بالمطار والمرفق الجوي الوحيد الذي لا يزال يربط لبنان بالعالم.
ويبقى السؤال: هل كان الهدف من الرسالة تحسين معايير السلامة الجوية داخل شركة طيران الشرق الأوسط، أم نقل الخلاف النقابي إلى الساحة الدولية؟ ففي الحالة الأولى يفترض أن تكون المؤسسات الرقابية اللبنانية هي المرجع الطبيعي للمعالجة، أما في الحالة الثانية فإن الثمن لن تدفعه الشركة والعاملون فيها وحدهم، بل لبنان بأكمله.
