كشفت وثائق اتهام أميركية جديدة تفاصيل مثيرة حول محمد باقر الساعدي، القيادي البارز في “كتائب حزب الله” العراقية، والذي تتهمه الولايات المتحدة بالوقوف وراء عشرات الهجمات والعمليات المعادية لليهود في أوروبا والولايات المتحدة، بينها مخططات لاستهداف كنائس ومعابد يهودية ومؤسسات غربية.
وبحسب تقارير في الصحف الابريطانية، تبيّن أن الساعدي، البالغ من العمر 32 عاماً ويحمل الجنسيتين الإيرانية والعراقية، كشف خلال التحقيقات أنه التقى المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي في طهران قبل أيام قليلة من مقتله في بداية الحرب أواخر شباط الماضي.
ووفقاً لما ورد في لائحة الاتهام، فإن الساعدي قال للمحققين إنه اجتمع بخامنئي في إيران قبل نحو 3 أيام فقط من اندلاع المواجهة مع إيران في 28 شباط. ونقلت صحيفة “صنداي تايمز” عن مصادر استخباراتية غربية قولها إن هذه الرواية تبدو “ذات مصداقية”.
وتتهم السلطات الأميركية الساعدي بلعب دور مركزي في التخطيط لسلسلة من الهجمات التي نُسبت إلى تنظيم يُعرف باسم “أصحاب اليمين”، وهو تنظيم تصفه واشنطن بأنه واجهة لميليشيا “كتائب حزب الله” العراقية المدعومة من الحرس الثوري الإيراني.
وتقول لائحة الاتهام إن الساعدي متورط في ما لا يقل عن 18 هجوماً في بريطانيا وأوروبا، إضافة إلى التخطيط لعمليات تستهدف يهوداً داخل الولايات المتحدة.
كما تتهمه السلطات الأميركية بالمشاركة في التخطيط لهجمات ضد أهداف غربية، وتوجيه عمليات إحراق استهدفت مؤسسات يهودية في لندن عبر محادثات فيديو باستخدام تطبيق FaceTime، فيما أظهرت صور مرفقة في ملف القضية ما قيل إنها توثقه وهو يدير عمليات وهجمات من داخل مخبأ في العراق.
وألقي القبض على الساعدي في تركيا قبل أسابيع بعدما حاول، بحسب الاتهامات، تجنيد شخص تبيّن لاحقاً أنه عميل سري لمكتب التحقيقات الفيدرالي FBI، وكان يعتقد أنه عضو في كارتل مخدرات مكسيكي.
وبعد توقيفه، نُقل إلى نيويورك حيث وُجهت إليه 8 تهم مرتبطة بالإرهاب.
وجاء اعتقاله بعد سلسلة هجمات استهدفت مؤسسات يهودية في لندن، بينها إحراق أسطول سيارات إسعاف في منطقة غولدرز غرين، إضافة إلى هجوم قرب كنيس يهودي في مدينة لييج البلجيكية، واستهداف فرع لـ”بنك أوف أميركا” في جادة الشانزليزيه في باريس.
وتقول النيابة الأميركية إن تنظيم “أصحاب اليمين” ليس سوى واجهة لـ”كتائب حزب الله” العراقية، وإن الساعدي شغل منصباً قيادياً بارزاً فيها، كما عمل على تجنيد مجرمين من دول مختلفة لتنفيذ هجمات لصالح طهران مقابل مبالغ مالية بآلاف الجنيهات الإسترلينية دُفعت عبر العملات المشفرة.
وبحسب الوثائق القضائية، تخلى الساعدي بعد توقيفه عن حقه في الاستعانة بمحام، وأدلى بإفادات واسعة حول علاقاته بقيادات إيرانية بارزة.
ومن بين أبرز ما كشفه قوله إنه كان “مثل الابن” بالنسبة لقاسم سليماني، قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوري الإيراني الذي قُتل في غارة أميركية قرب مطار بغداد في كانون الثاني 2020.
كما تشير لائحة الاتهام إلى أنه شارك شخصياً في مكالمات FaceTime مع منفذي الهجمات أثناء تنفيذها، ووثق العمليات، وساهم في إنتاج وتوزيع مواد دعائية، إضافة إلى مناقشات مع أعضاء في “كتائب حزب الله” العراقية حول أساليب “الحرب النفسية” والتوقيت المناسب لتنفيذ بعض العمليات.
وخلال تفتيش هاتفه، عثر المحققون على نسخة من ميثاق تنظيم “أصحاب اليمين”، يُعتقد أنه كُتب في آذار الماضي، وجاء فيه: “اعتباراً من اليوم نعلن بوضوح أن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني الإسرائيلي وكل من يتعاون معهما بأي مستوى لن يكونوا آمنين”.
كما تبنى التنظيم عملية طعن استهدفت يهوديين في منطقة غولدرز غرين في لندن بتاريخ 29 نيسان، إلا أن شرطة مكافحة الإرهاب البريطانية شككت في صحة هذا التبني، معتبرة أنه قد يكون محاولة للاستفادة من الزخم الإعلامي للعملية من دون وجود صلة مباشرة بها.
وتكشف الوثائق أيضاً أن الساعدي طلب من أحد المقربين منه نشر مشاهد عملية الطعن على منصات التنظيم، قبل أن يقول له لاحقاً: “إذا منحنا الله النجاح هذه الليلة، فسيكون هناك إطلاق نار في مطعم”.
ولم توضح التحقيقات مكان العملية التي كان يجري التخطيط لها، كما أنها لم تُنفذ في نهاية المطاف. لكن في اليوم التالي مباشرة رفعت الحكومة البريطانية مستوى التهديد الإرهابي من “كبير” إلى “خطير”، وهو المستوى الذي يعني أن احتمال وقوع هجوم إرهابي بات مرتفعاً جداً.
وتسلط هذه القضية الضوء على شبكة معقدة من العلاقات والاتهامات التي تربط جماعات مسلحة موالية لإيران بعمليات أمنية عابرة للحدود، في وقت تواصل فيه واشنطن ملاحقة شخصيات تعتبرها جزءاً من البنية الخارجية للحرس الثوري الإيراني.

