“هنا كان مطعمنا… بقلب الجنوب العزيز. مكان جمعنا ذكريات وضحكات وتعب سنين. اليوم صار ركام”.

بهذه الكلمات المؤلمة اختصر الشيف حسين فياض، أحد أبرز صناع المحتوى اللبنانيين على مواقع التواصل الاجتماعي، حجم الخسارة التي أصابت منتجع “عرش الملوك” في محمية وادي الحجير. لم يكن يرثي مطعماً أو مشروعاً سياحياً فحسب، بل كان يرثي سنوات طويلة من العمل والتعب والاستثمار انتهت خلال لحظات تحت القصف الإسرائيلي.

وقبل أن يجف أثر الصدمة، نشر الناشط في المجتمع المدني مهدي كريم صورة لمنزل عائلته في مدينة صور الذي دُمّر نهاية الأسبوع بغارة إسرائيلية، وأرفقها بعبارة تختصر وجع آلاف اللبنانيين: “شاء الله وما قدر فعل. وداعاً لذكرياتنا وماضينا، وداعاً لمنزلنا الذي قطناه لـ25 عاماً”.

بين “عرش الملوك” الذي تحول إلى ركام، ومنزل مهدي كريم الذي اختفت معه ذاكرة ربع قرن، تتجسد حقيقة ما يجري في لبنان اليوم بعيداً من البيانات العسكرية والخطابات السياسية. فالمشهد لم يعد يتعلق فقط بمواقع عسكرية أو بجبهات قتال، بل ببلد تُستهدف فيه مقومات الحياة نفسها.

في وادي الحجير، وفي صور، وفي الجنوب والبقاع والضاحية، لا تقتصر الخسائر على الأهداف العسكرية التي تعلن إسرائيل استهدافها، بل تمتد إلى المؤسسات والمنازل والاستثمارات ومصادر رزق الناس. وما بين منزل ومطعم ومصنع ومؤسسة، تتراكم الخسائر فيما يتسع حجم الكارثة الوطنية يوماً بعد يوم.

ولهذا السبب لم يعد الحديث عن “الأضرار الجانبية” مقنعاً لأحد. فعندما يُدمَّر منتجع سياحي لا علاقة له بالحرب، وتُمحى مؤسسات تجارية وصناعية ومدنية من الخريطة، يصبح السؤال مشروعاً: ما الذي يُراد معاقبته فعلياً؟ حزب الله أم المجتمع اللبناني بأسره؟

هنا تحديداً تبدأ القضية السياسية الحقيقية.

فإسرائيل لا تكتفي بمواجهة حزب الله عسكرياً، بل تحاول فرض معادلة سياسية جديدة داخل لبنان. فكل منزل يُهدم، وكل مؤسسة تُدمّر، وكل مشروع يُقضى عليه، يتحول إلى رسالة ضغط موجهة إلى اللبنانيين. والهدف واضح: دفع الرأي العام اللبناني إلى الربط بين استمرار حزب الله وبين استمرار الدمار، بحيث يصبح المجتمع نفسه أداة ضغط داخلية لتحقيق أهداف الحرب.

بمعنى آخر، لا يبدو أن المطلوب إضعاف حزب الله عسكرياً فقط، بل إعادة تشكيل المزاج السياسي اللبناني عبر تحميل مجتمع كامل كلفة الصراع. وهذا ما يجعل استهداف مقومات الحياة الاقتصادية والاجتماعية أكثر من مجرد عمل عسكري، بل جزءاً من مشروع سياسي متكامل.

ومن هنا يصبح أكثر استفزازاً أن يخرج بعض اللبنانيين، في ذروة هذا الدمار، ليقدموا إسرائيل بوصفها مشروع سلام أو نموذجاً للاستقرار والازدهار. وكأن اللبنانيين لا يشاهدون بأعينهم ما يحدث. وكأن الركام المنتشر في القرى والبلدات مجرد تفصيل عابر يمكن محوه بخطاب سياسي أو بحملة علاقات عامة.

أي سلام يُبنى فوق أنقاض المنازل؟

وأي شراكة يمكن الحديث عنها فيما لا تزال المؤسسات والممتلكات اللبنانية تُدمّر؟

وأي منطق يدفع بعض اللبنانيين إلى تبييض صفحة دولة يراها اللبنانيون يومياً وهي تدمر بيوتهم وأرزاقهم ومؤسساتهم؟

الدعوة إلى السلام ليست جريمة. لكن تحويل المعتدي إلى ضحية، وتقديم من يمارس التدمير على أنه حامل لغصن الزيتون، ليس قراءة سياسية، بل إنكار للواقع واستخفاف بآلام الناس.

ومن حق أي مواطن أن يعارض حزب الله وأن ينتقده وأن يحمّله المسؤوليات التي يراها مناسبة. لكن ليس من حق أحد أن يحوّل هذا الخلاف إلى صك براءة لإسرائيل أو إلى غطاء أخلاقي وسياسي لحرب تطال اللبنانيين جميعاً.

فالخلاف السياسي الداخلي شيء، وتبرير استهداف المدنيين شيء آخر تماماً.

لا يمكن لمن يرفع شعار الدولة أن يصمت عن تدمير مؤسسات الدولة ومقومات المجتمع. ولا يمكن لمن يتحدث عن السيادة أن يتجاهل استباحة الأراضي اللبنانية. ولا يمكن لمن يتحدث عن السلام أن يغض النظر عن الدمار الذي يُلحق يومياً بالمدنيين.

وإذا كانت القوانين الدولية تعتبر أن استهداف المدنيين والأعيان المدنية أو إلحاق دمار واسع النطاق لا تبرره الضرورات العسكرية يندرج ضمن جرائم الحرب، فإن ما يشهده لبنان يفرض نفسه بقوة في قلب هذا النقاش. فالمشهد لم يعد يتعلق بمواجهة عسكرية فحسب، بل بتدمير يطاول مقومات الحياة المدنية والاقتصادية ويترك خلفه مجتمعات منكوبة ومستقبلاً غامضاً لعشرات آلاف العائلات.

والمفارقة أن العالم الذي لا يتوقف عن الحديث عن حقوق الإنسان والقانون الدولي يبدو عاجزاً، أو غير راغب، في حماية المدنيين أو وقف التدمير أو محاسبة مرتكبيه.

قد يختلف اللبنانيون على حزب الله، وقد يختلفون على الحرب وأسبابها ومسؤولياتها، لكن ما لا يجوز الاختلاف عليه هو حق اللبناني في منزله ومصدر رزقه وأمنه وكرامته.

والمشكلة لم تعد في العدوان وحده، بل في محاولات منحه شرعية لبنانية. فحين يصبح تدمير المنازل والمؤسسات قابلاً للتبرير بحجة الخلاف مع حزب الله، وحين تتحول معاناة المدنيين إلى تفصيل ثانوي في حسابات السياسة، يصبح الخلل أعمق من الحرب نفسها. لأن المجتمعات لا تُهزم فقط بالقوة العسكرية، بل أيضاً عندما تفقد بوصلتها الأخلاقية وقدرتها على التمييز بين الضحية والجلاد.

والحقيقة الثابتة لا تحتاج إلى كثير من الشرح:

هناك لبنانيون مدنيون يدفعون الثمن.

وهناك دولة تدمر.

وهناك من يبرر.

وهذا، بحد ذاته، جريمة.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version