في وقت تسعى فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى فتح مسار سياسي وأمني جديد بين لبنان وإسرائيل، تبدو التطورات الميدانية على الأرض وكأنها تسير في الاتجاه المعاكس، مع توسع العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل لبنان وتزايد المخاوف الأميركية من أن يؤدي ذلك إلى تقويض الجهود الدبلوماسية الجارية.
وبحسب تقرير للصحافي عيدان كوفلر في موقع “واللا” الإسرائيلي، فإن الولايات المتحدة تبذل جهوداً متزايدة لبناء إطار أمني وسياسي جديد بين بيروت وتل أبيب، إلا أن التصعيد العسكري الأخير في جنوب لبنان بدأ يثير قلقاً متنامياً داخل واشنطن.
وأشار التقرير إلى أن المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، والتي تُجرى برعاية أميركية للمرة الأولى منذ سنوات، تواجه تحديات متزايدة بفعل التطورات الميدانية. ويستدل التقرير على ذلك بالبيان الاستثنائي الذي أصدره البنتاغون عقب اجتماع مطول جمع وفوداً عسكرية من لبنان وإسرائيل.
وخلال اللقاء، استضاف وكيل وزارة الدفاع الأميركية لشؤون السياسات إلبريدج كولبي الوفدين في مقر البنتاغون، ووصف المحادثات بأنها “مثمرة”، مؤكداً أنها تهدف إلى بناء “أطر عملية للأمن والاستقرار الإقليمي”. كما أوضحت الإدارة الأميركية أن نتائج هذه المباحثات يفترض أن تدعم المسار السياسي الذي تقوده وزارة الخارجية الأميركية، والذي يُتوقع استئنافه الأسبوع المقبل.
لكن التقرير يرى أن هناك فجوة واضحة بين الرؤية الأميركية والواقع الميداني. فخلال الأشهر الماضية شددت واشنطن على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها في مواجهة التهديدات القادمة من لبنان، كما أن مذكرة التفاهم المرافقة لوقف إطلاق النار منحت إسرائيل هامشاً للتحرك ضد خروقات حزب الله.
إلا أن الرسالة الأميركية الأساسية، وفق التقرير، بقيت ثابتة خلف الكواليس، وهي منع الانزلاق نحو حرب واسعة النطاق وتجنب أي خطوات قد تدفع لبنان بأكمله إلى أتون مواجهة شاملة.
ويضيف التقرير أن الإدارة الأميركية كانت حريصة بشكل خاص على منع تحول بيروت مجدداً إلى ساحة حرب. ومن وجهة نظر واشنطن، يقوم النموذج المطلوب على وقف إطلاق نار مستقر نسبياً، مع خروقات محدودة، وعمليات إسرائيلية موضعية ضد التهديدات المباشرة، بالتوازي مع عملية تدريجية تعزز سلطة الدولة اللبنانية والجيش اللبناني وتحد من نفوذ حزب الله في الجنوب.
غير أن هذا التصور بدأ يتعرض للاهتزاز خلال الأيام الأخيرة، مع تصاعد هجمات الطائرات المسيّرة التابعة لحزب الله، ما دفع إسرائيل إلى رفع مستوى عملياتها العسكرية. ويشير التقرير إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أعلن خلال زيارة إلى غور الأردن أن قوات الجيش الإسرائيلي تعمل شمال نهر الليطاني.
كما تؤكد إسرائيل، بحسب التقرير، أنها تعمل خارج نطاق “المنطقة الأمنية” السابقة بهدف زيادة الضغط العسكري على حزب الله ومنع عودته إلى الحدود، معتبرة أن هذه الخطوات ضرورية لحماية مستوطنات الشمال.
في المقابل، تنظر واشنطن إلى هذه التطورات بقدر من الانزعاج. ورغم عدم وجود خلاف علني حتى الآن بين إدارة ترامب وحكومة نتنياهو بشأن الملف اللبناني، فإن التباين في الرؤى بات أكثر وضوحاً.
ويلفت التقرير إلى أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو حمّل حزب الله مسؤولية استمرار القتال، كما شدد مسؤولون أميركيون على أن إسرائيل لن تُطلب منها أبداً مواجهة الهجمات ضد مواطنيها وقواتها بشكل سلبي.
لكن في المقابل، تنقل واشنطن رسائل أكثر تحفظاً عبر القنوات الخاصة، إذ تفضل أن تركز إسرائيل عملياتها داخل المنطقة الأمنية في جنوب لبنان، وأن تتجنب توسيع نطاق المواجهة، بما يمنح المسار السياسي فرصة حقيقية للنجاح.
وتعتبر الإدارة الأميركية أن نجاح المفاوضات بين لبنان وإسرائيل لا يقل أهمية عن العمليات العسكرية الجارية، وهو ما انعكس أيضاً في بيان وزارة الخارجية الأميركية عقب الاتصال بين وزير الخارجية ماركو روبيو ورئيس الجمهورية جوزيف عون.
وبحسب البيان، أشاد روبيو بـ”شجاعة” الرئيس عون في الدفع نحو مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، واتهم حزب الله بمحاولة عرقلة هذه الجهود، معتبراً أن المحادثات الجارية تمثل “فرصة تاريخية” لتحقيق السلام وإعادة إعمار لبنان.
ويكشف هذا التباين بين الرؤية الأميركية والحسابات الإسرائيلية أن المعركة الدائرة في جنوب لبنان لم تعد مجرد مواجهة ميدانية، بل أصبحت اختباراً لقدرة واشنطن على ترجمة مسارها السياسي إلى واقع يتجاوز ضجيج السلاح.

