في تطور لافت من داخل البيئة الجنوبية نفسها، فتح نداءان صادران من صور والنبطية باب مواجهة سياسية غير مسبوقة مع حزب الله، عبر المطالبة بإعلان المدينتين “مفتوحتين” و”خاليتين من السلاح”، ووضعهما تحت سلطة الدولة اللبنانية وحمايتها، في محاولة لتجنيبهما مزيدًا من القصف الإسرائيلي ومنع تفريغهما والقرى المحيطة بهما من السكان.

وتأتي هذه الخطوة في ذروة الحرب الإسرائيلية المستمرة على لبنان، وما تخلّفه من دمار واسع وخسائر بشرية ومادية غير مسبوقة في الجنوب، حيث بدأت أصوات من داخل المدن الجنوبية تطالب بوقف الحرب وإنهاء تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية.

وأصدر عدد من أهالي وسكان مدينة صور وجوارها نداءً طالبوا فيه بـ”إنقاذ مدينتهم من التدمير المستمر جراء العدوان الإسرائيلي”، معتبرين أن الاستهداف يهدف إلى إفراغها من سكانها وإخراجها من التاريخ والجغرافيا عبر ضرب المدنيين والبنى التحتية بشكل ممنهج.

ورأى الموقعون أن مسؤوليتهم الأخلاقية تفرض رفع الصوت عاليًا ومن دون مواربة، مؤكدين أن هدفهم هو الوصول إلى وقف نهائي للحرب وتحرير الأرض اللبنانية بالكامل، بعيدًا عن سياسات المحاور وحروب الآخرين، بحيث لا يبقى الجنوب ورقة في مفاوضات إقليمية لا علاقة للبنانيين بها.

وشدد نداء صور على ضرورة فرض سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، ووضع حد لتدمير المدينة، والعمل على تثبيت وقف شامل لإطلاق النار على كامل الأراضي اللبنانية.

كما دعا الموقعون الحكومة اللبنانية إلى إطلاق مبادرة دبلوماسية وسياسية عاجلة، عربية ودولية، لحماية المدينة التاريخية من الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، وتعزيز انتشار الجيش اللبناني والقوى الأمنية الرسمية داخل المدينة ومحيطها، وتكريس حضور مؤسسات الدولة بما يحفظ الأمن والاستقرار ويحمي السكان.

وطالب النداء بإعلان صور “مدينة مفتوحة” خالية من السلاح، بما يسمح بعودة أبنائها إليها، وتأمين الحماية للنازحين والوافدين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية والطبية واستمرار الخدمات الأساسية.

وبعد ساعات، انتقلت المبادرة إلى النبطية، حيث أطلق أبناء المدينة نداءً مماثلًا وقّعه نحو 220 شخصية من ناشطين ووجهاء وفعاليات اجتماعية وثقافية وأكاديمية واقتصادية، طالبوا فيه الحكومة اللبنانية بإطلاق تحرك دبلوماسي وسياسي عاجل لحماية النبطية وقضائها من التدمير والاعتداءات الإسرائيلية المستمرة.

ودعا الموقعون إلى تعزيز انتشار الجيش اللبناني والقوى الأمنية على مداخل المدينة وفي محيطها، وتثبيت حضور مؤسسات الدولة بما يحمي المدنيين ويطمئن الأهالي والنازحين.

وشدد نداء النبطية على ضرورة إعلان المدينة ومحيطها منطقة آمنة ومفتوحة تحت رعاية الدولة اللبنانية وسلطتها الشرعية، وخالية من كل ما قد يعرّض سكانها للخطر، بما يتيح عودة الأهالي إلى منازلهم ويجنب المدينة مزيدًا من الدمار.

كما ناشد الموقعون الدولة اتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية قلعة الشقيف وسائر المعالم التاريخية والتراثية في المنطقة، والعمل على فرض وقف لإطلاق النار في النبطية والجنوب، أسوة بمناطق أخرى شهدت تهدئة نسبية.

وأثار النداءان اهتمامًا سياسيًا وإعلاميًا واسعًا، باعتبارهما مؤشرًا إلى تبدل محتمل في المزاج الشعبي داخل الجنوب اللبناني.

وفي هذا السياق، رأى الأكاديمي والباحث السياسي حارث سليمان، في تصريح لـ”الشرق الأوسط”، أن النداءين الصادرين عن أبناء صور والنبطية يعكسان تراجعًا في الثقة الشعبية بالدور العسكري لحزب الله، ويؤشران إلى قناعة متنامية لدى شريحة من الجنوبيين بأن الخيار العسكري لم ينجح في حماية المناطق الجنوبية أو منع التوغلات الإسرائيلية.

وأشار سليمان إلى أن حزب الله لطالما روّج لفكرة امتلاكه الأفضلية في أي مواجهة برية مع إسرائيل، إلا أن الوقائع الميدانية الأخيرة أظهرت اختلالًا واضحًا في موازين القوى لمصلحة إسرائيل، فضلًا عن تراجع قدرة الحزب على إلحاق خسائر تجعل أي توغل بري مرتفع الكلفة.

واعتبر أن هذه النداءات تمثل في جوهرها رسالة سياسية تفيد بأن شريحة من أبناء الجنوب باتت تعتبر الدولة اللبنانية وحدها الملاذ القادر على توفير الحماية والاستقرار.

وبرأي سليمان، فإن هذه المواقف تشكل سقوطًا شعبيًا للدور العسكري الذي اضطلع به الحزب طوال السنوات الماضية، وتعكس ميلًا متزايدًا لدى اللبنانيين لتسليم مصيرهم للدولة وخياراتها الدبلوماسية، بعدما تراجع الرهان على الحلول العسكرية.

وأضاف أن الجنوبيين يحملون حزب الله مسؤولية الخيارات التي قادت إلى الخسائر البشرية والدمار العمراني في المنطقة، معتبرًا أن ما يجري في الجنوب من كارثة بشرية وعمرانية هو ترجمة للخيارات الإيرانية التي لا تأبه لمصير الشيعة، وفق تعبيره.

في المقابل، يؤكد الموقعون على نداء صور أن مطلب إعلان المدينة خالية من السلاح لا ينطلق من خلفية سياسية بقدر ما يهدف إلى حماية السكان ومنع استخدام المدينة ذريعة للاستهداف الإسرائيلي.

وقال أحد الموقعين لـ”الشرق الأوسط” إن صور تعيش ما يشبه النكبة الإنسانية منذ اندلاع الحرب الأخيرة، بعدما تحولت إلى مركز رئيسي لاستقبال النازحين القادمين من القرى والبلدات المحيطة.

وأشار إلى أن المدينة استقبلت خلال الأشهر الماضية أعدادًا كبيرة من النازحين الذين توزعوا على الأحياء القديمة والمدارس والمنشآت العامة، ما فرض أعباء إنسانية وخدماتية هائلة على سكانها.

وشدد على أن الهدف الأساسي من الدعوة إلى جعل المدينة خالية من السلاح يتمثل في توفير الحماية لها عبر مؤسسات الدولة الشرعية، ومنع استخدامها مبررًا للغارات الإسرائيلية التي يدفع المدنيون ثمنها الأكبر.

وختم بالقول إن أكثر من نصف مدينة صور تعرض للدمار، فيما بات الحفاظ على المدينة وسكانها ودورها التاريخي والوطني أولوية تتقدم على أي اعتبار آخر.

وتأتي هذه النداءات في لحظة جنوبية شديدة الحساسية، حيث لم يعد النقاش محصورًا بوقف النار أو حجم الدمار، بل بات يلامس سؤالًا أعمق يتعلق بمن يملك قرار الحرب والسلم، وكيف يمكن حماية المدن والقرى من التحول إلى ساحات مفتوحة للرسائل الإقليمية. وبين المطالبة بحضور الدولة، ورفض إبقاء الجنوب خارج القرار الرسمي، تبدو صور والنبطية أمام بداية نقاش سياسي واجتماعي قد يتسع مع استمرار الحرب وارتفاع كلفتها على السكان.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version