في موقف عالي السقف من السرايا، وضع رئيس الحكومة نواف سلام التصعيد الإسرائيلي في إطار أخطر من مجرّد توسّع ميداني، معتبرًا أن ما يجري في الجنوب والنبطية وصور وقراها لم يعد استهدافًا لمواقع محدّدة، بل سياسة تدمير شامل تطال المدن والبلدات ومقومات الحياة، وتدفع نحو تهجير جماعي يرقى إلى مستوى العقاب الجماعي.

وقال سلام إن الجهود السياسية والدبلوماسية متواصلة للوصول إلى وقف سريع وفعلي وثابت لإطلاق النار، مشددًا على أن ما شهده لبنان في اليومين الماضيين “ليس مجرد توسيع لنطاق الاعتداءات الإسرائيلية، ولا مجرد عبور إلى شمال نهر الليطاني وصولًا إلى مشارف النبطية، قلعة جبل عامل الأبية، أو قصفًا ممنهجًا على صور، أرجوانة البحر المتوسط العريقة، وقرى قضائها وأبنائها الصامدين الصابرين”.

وأشار إلى أن إسرائيل “لم تعد تستهدف فقط مواقع أو مناطق محددة، بل أخذت تنفّذ سياسة تدمير شامل للمدن والبلدات ولكل مقومات الحياة فيها، وتمارس التهجير الجماعي الذي يرقى إلى العقاب الجماعي بحق أهلنا الآمنين”، معتبرًا أن هذه السياسات مدانة في كل الأعراف والشرائع الدولية.

وتابع سلام أن البيوت تُسوّى بالأرض، والأحياء تُمحى، والمدارس والمستشفيات ومرافق الإنتاج تُقصف، ودور العبادة تُدنّس، وحتى المدافن لم تسلم من آلة التدمير، لافتًا إلى أن الاستهداف طال أيضًا معالم أثرية وتراثية تختزن ذاكرة لبنان وهويته الحضارية، وبعضها مصنّف ضمن التراث العالمي الإنساني.

ورأى أن ما تقوم به إسرائيل “ليس فقط انتهاكًا لسيادة لبنان ووحدة أراضيه، بل محاولة لاقتلاع ذاكرة المكان ومحو تاريخ الناس”، واصفًا المشهد بأنه “يفطر قلب كل من له ضمير حي في العالم”، في ظل عائلات تُهجّر مرة بعد مرة، وأطفال لا ينامون بسبب القصف، وأمهات يبحثن عن بيوتهن بين الركام، وشيوخ يتمسكون بأرضهم رغم الموت والدمار.

وتوجّه سلام إلى أهالي الجنوب بالقول: “أنتم لستم وحدكم. وجعكم هو وجع كل لبنان، ودموع الأمهات والأرامل في القرى الجنوبية هي مسؤولية وطن بأكمله”، مؤكدًا أن الدولة اللبنانية “لن تألو جهدًا لتحقيق وقف إطلاق النار، وانسحاب إسرائيل الكامل، والإفراج عن أسرانا، وعودة الأهالي إلى بيوتهم بكرامة وأمان، وإعادة الإعمار”.

وأكد رئيس الحكومة أن “القاصي والداني يعرف أن هذه الحرب لم تكن خيارنا، بل فُرضت علينا”، مشيرًا إلى أن كلفتها باتت مرتفعة في الأرواح والأرزاق. وقال: “نحن اليوم مصممون ليس على وقف هذه الحرب فحسب، بل أيضًا على تحصين بلدنا وحماية مستقبل أبنائنا فيه، فنحول دون تحويل وطننا مجددًا إلى صندوق بريد لرسائل إقليمية أو دولية، أو السماح باستخدامه مجددًا ساحة مفتوحة لحروب الآخرين وصراعاتهم”.

وفي هذا السياق، أعلن سلام أن الحكومة قررت “بكل وعي ومسؤولية” الذهاب إلى الخيار الأنسب لحماية لبنان واللبنانيين في هذا الظرف، وهو خيار المفاوضات. وأضاف مخاطبًا اللبنانيين: “هل المفاوضات مضمونة النتائج؟ بالتأكيد لا. لكنها الطريق الأقل كلفة على وطننا وشعبنا مقارنة بالخيارات الأخرى اليوم. وهل هي مفاوضات استسلام؟ أيضًا لا”.

وشدد على أن أول بند على جدول أعمال الوفد المفاوض، الذي قال إنه يقوم بعمله “بمهنية عالية”، هو تحقيق وقف إطلاق النار. أما الهدف الذي تعمل الحكومة للوصول إليه من خلال المفاوضات، والذي “لا يمكن المساومة عليه إطلاقًا”، فهو الانسحاب الكامل وإطلاق الأسرى بما يسمح بإعادة إعمار ما تهدّم وعودة الناس الآمنة والكريمة إلى أرضهم.

وأقرّ سلام بأن هذا الطريق “ليس سهلًا ولن يكون قصيرًا”، لكنه أكد أنه يصبح أقصر، ويصبح لبنان فيه أقوى، عندما تتوحد كل الجهود تحت سقف الدولة اللبنانية. واعتبر أن ذلك يتطلب “الرجوع عن التفرد والتوقف عن المكابرة”، لأن الدولة، وفق قوله، تخوض المفاوضات اليوم باسم جميع اللبنانيين، “فالحري بهم جميعًا أن ينضووا تحت لوائها، فيبقى قرار الحرب والسلم قرارًا لبنانيًا وطنيًا، ليس عند فريق دون آخر، ولا يكون خارج الحدود”.

وفي رسالة مباشرة إلى إسرائيل، قال سلام إن عليها أن تعلم أن سياسة “الأرض المحروقة والعقاب الجماعي وتجريف القرى والبلدات” لن تكسبها أمنًا ولا استقرارًا، بل ستعمّق الهوّة مع اللبنانيين جميعًا، وتترك جروحًا جديدة وعميقة في ذاكرتهم الجماعية.

وختم رئيس الحكومة بالتأكيد أن لبنان يمر اليوم في واحدة من أصعب المحن في تاريخه الحديث، لكنه أبدى ثقته بقدرة اللبنانيين على تجاوزها عندما يجتمعون تحت راية الدولة الواحدة، صاحبة القرار الواحد والجيش الواحد.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version