ورد في دراسة نشرها صندوق النقد الدولي مؤخرا على موقعه، حول الملاحظات على قانون “الإستقرار المالي وإسترداد الودائع” (قانون الفجوة المالية) والنقاش المُرتبط بإعادة هيكلة القطاع المصرفي، مصطلح “أزمة نظامية” أو “Systemic Crisis”، لشرح الإنهيار المالي الحاصل في لبنان منذ 2019. فهل يتلاقى هذا التوصيف مع ما تعتمده جمعية المصارف من تعريف للأزمة المالية بأنها “أزمة نظامية” ناتجة عن تعثر الدولة وسياسات مصرف لبنان، وبالتالي المسؤولية لا تقع عليها وحدها لا سيما في ما يتعلق بإعادة أموال المودعين، بل على كامل المنظومة المالية والنقدية؟
بحسب الخبراء من المهم التمييز بين أمرين، الأول أن مصطلح “Systemic” (نظامية) يستخدمه الصندوق بوضوح للإشارة إلى أن الانهيار أصاب كامل النظام المالي والمصرفي والدولة معاً. ولكنها أزمة داخلية المنشأ Endogenous” لم تأتِ من الخارج بل صُنعت داخلياً عبر السياسات والهندسات المالية وسوء الإدارة. وهذا التفريق مهم جداً اقتصادياً لأن تعبير”Systemic” يصف حجم وإنتشار الأزمة، في حين أن مصطلح Endogenous” يصف مصدر الأزمة وأسبابها.
وعندما يقول صندوق النقد الدولي إن الأزمة “نظامية”، فهو يقصد أن الإنهيار أصاب كل مكونات النظام المالي في وقت واحد، أي الدولة والمصرف المركزي والمصارف التجارية وسعر صرف الليرة وأموال المودعين، أي أن المشكلة لم تكن في مصرف واحد أو قطاع محدود، بل في البنية المالية كلها.إذا الأزمة شملت كل النظام المالي، لذلك هي “نظامية” لكنها ليست قدراً أو حادثاً طبيعياً.هي نتيجة خيارات سياسية ومالية خاطئة ومقصودة. لذلك يجب أن تكون هناك محاسبة فعلية لمن صنع هذه السياسات.
أبو سليمان:الإنهيار المالي سببه بشري ولذلك يجب محاسبة المرتكبين
يشرح الخبير الاقتصادي الدكتور وليد أبو سليمان ل”ليبانون ديبايت”، أن “وصف الأزمة المالية في لبنان بأنها أزمة نظامية صحيح، لكن هذه الكلمة تُستخدم بطريقة تخلق الكثير من الإلتباس. فكون الأزمة نظامية لا يعني أنها كانت حتمية، ولا يعني أن لا أحد مسؤول، وبالتأكيد لا يعني أن الانهيار كان كارثة طبيعية لم يكن بالإمكان تفاديها”.
يضيف:”ما يقوله صندوق النقد الدولي هو أن الأزمة أصبحت نظامية، لأنها أصابت كامل البنية المالية أي الدولة والمصرف المركزي والمصارف وربط الليرة بالدولار وطالت المودعين جميعا. لكن النقطة الأهم هي أن ما حصل كان أزمة نظامية داخلية المنشأ (Endogenous). أي أنها وُلدت من داخل النظام نفسه، على يد الأشخاص الذين كانوا يديرونه ويستفيدون منه، لا نتيجة صدمة خارجية فُرضت على لبنان وهذا الفرق أساسي”، مشددا على أن “لبنان لم ينهَر في ٢٠٠٨ عندما إهتزّ النظام المالي العالمي. ولم ينهَر في ٢٠١١ وسط الإضطرابات الإقليمية. ولم ينهَر خلال الحرب الأهلية أو بعد حرب ٢٠٠٦ لعقود، وإستطاع القطاع المصرفي أن يصمد أمام صدمات كانت أخطر بكثير مما حدث في ٢٠١٩، الودائع كانت تدخل، والمصارف كانت تعمل، والنظام رغم هشاشته كان لا يزال قائماً”.
يجزم أبو سليمان أن “إنهيار 2019 جاء من دون أزمة مالية عالمية، بلا حرب مفاجئة، وبلا أي صدمة خارجية تبرّر انهياراً مصرفياً بهذا الحجم. الإنهيار حصل في زمن السلم. وهذا التوقيت وحده يقول الكثير. فالنموذج الاقتصادي كان هشّاً بسبب الإعتماد المُفرط على تدفقات الأموال، وربط نقدي بلا إقتصاد منتج يدعمه، دولة مدمنة على العجز، وقطاع مصرفي أصبح أكبر من الإقتصاد الحقيقي نفسه”، مؤكدا أن ” الأنظمة الهشّة لا تنهار فجأة وحدها. هي تنهار عندما يواصل من يديرها إستغلالها وإخفاء المخاطر، وإستخدامها لتأجيل الحقيقة وهذا تماماً ما حصل في لبنان”.
ويرى أن “الهندسات المالية التي قام بها المصرف المركزي، إنكشاف المصارف على الدولة، الحماية السياسية التي أحاطت بهذه المنظومة، وإستخدام أموال المودعين لإبقاء نظام فاسد على قيد الحياة، كل ذلك لم يكن قوى نظامية غامضة بل كان قرارات، قرارات بشرية إتخذها أشخاص معروفون بالأسماء والمناصب والمسؤوليات”، لافتا إلى أنه” يمكن قبول وصف الأزمة بأنها نظامية فقط إذا كنا واضحين بشأن أي نوع من الأزمات النظامية نتحدث، لكن لم تكن أزمة حتمية، ولم تكن إنهياراً سقط من السماء. أصبحت نظامية لأن كامل البنية إنهارت معاً، لكنها كانت داخلية المنشأ لأن أسباب الإنهيار صُنعت من الداخل وهذه هي النقطة الأساسية”.
ويعتبر أن “خطورة كلمة نظامية أنها قد تتحول إلى مكان للإختباء. قد تجعل الأزمة تبدو وكأن الجميع مسؤول وبالتالي لا أحد مسؤول. وهذا تحديداً ما يريده من تسببوا بالانهيار أي تفسير ضبابي، توصيف تقني، ومن دون أي محاسبة حقيقية”.
ويختم:”النظام المالي اللبناني لم ينهَر فقط لأنه كان هشّاً، بل لأنه تعرّض للإستغلال وسوء الإدارة والإساءة حتى لم يعد هناك شيء يمكن حمايته. الأزمة كانت نظامية في حجمها، لكنها بشرية في أصلها. ومن هنا تحديدا تبدأ المحاسبة الحقيقية”.

