في خطوة تعيد فتح أحد أكثر الملفات المالية حساسية منذ اندلاع الأزمة الاقتصادية في لبنان، عاد ملف التدقيق الجنائي إلى الواجهة مع قرار مصرف لبنان، بالتنسيق مع وزارتي المالية والعدل، تكليف شركة Alvarez & Marsal Middle East Limited بإجراء تدقيق جديد في التحويلات والعمليات المرتبطة بأصول المصرف الخارجية بين عامي 2019 و2023.
اعتبر المنسق العام الوطني للتحالف اللبناني للحوكمة الرشيدة مارون الخولي، في حديث إلى ليبانون ديبايت، أن قرار مصرف لبنان، بالتنسيق مع وزارتي المالية والعدل، تكليف شركة Alvarez & Marsal Middle East Limited بإجراء تدقيق جنائي مالي جديد يتعلق بالتحويلات والعمليات المرتبطة بأصول مصرف لبنان الخارجية بين تشرين الأول 2019 ونهاية العام 2023، يشكل فرصة حقيقية أمام الدولة اللبنانية لإعادة فتح ملف الانهيار المالي والنقدي من زاوية المحاسبة وكشف الحقائق.
وقال الخولي إن اللبنانيين ينتظرون منذ سنوات أجوبة واضحة حول مصير الأموال التي أُنفقت خلال مرحلة الانهيار، وحول الجهات التي استفادت من السياسات المالية والنقدية التي أدت إلى استنزاف احتياطات الدولة ومصرف لبنان، معتبراً أن التدقيق الجديد يجب أن يكون محطة مفصلية لكشف الوقائع وتحديد المسؤوليات بعيداً عن أي اعتبارات سياسية أو ضغوط تحول دون الوصول إلى الحقيقة.
وأشار إلى أن أهمية هذه الخطوة لا تكمن في إعداد تقرير إضافي يوضع على الرفوف، بل في البناء على ما كشفه التدقيق الجنائي الأول ومعالجة الثغرات التي حالت دون استكمال مسار المحاسبة، لافتاً إلى أن التجربة السابقة، رغم ما واجهته من عراقيل، كشفت مؤشرات خطيرة تتعلق بإدارة المال العام والسياسات النقدية التي اعتمدت خلال السنوات التي سبقت الانهيار وخلاله.
وأوضح الخولي أن التقرير الأول أضاء على اختلالات مالية ضخمة قُدّرت بعشرات مليارات الدولارات، كما كشف حجم الأعباء التي ترتبت على الهندسات المالية التي اعتمدها مصرف لبنان، والتي قُدّرت بنحو 76 مليار دولار، فضلاً عن إثارة شبهات جدية حول عمليات مالية وعمولات مرتبطة بشركة “أوبتيموم” الاستثمارية بمبالغ قُدّرت بحوالي 8 مليارات دولار.
وأضاف أن المشكلة الأساسية لم تكن في نتائج التدقيق بحد ذاته، بل في عدم استكمال المسار الذي كان يفترض أن يلي صدور التقرير، مشيراً إلى أن شركة التدقيق لم تحصل آنذاك على كامل المعلومات والوثائق المطلوبة بالسرعة المطلوبة، ما انعكس على قدرتها في تتبع حركة الأموال وتحديد المسؤوليات النهائية وفق المعايير الدولية المعتمدة في التدقيق الجنائي.
وشدد على أن نجاح المرحلة الجديدة يتطلب تعاوناً كاملاً من جميع الجهات المعنية، وفي مقدمها مصرف لبنان والسلطات القضائية والرقابية ووزارتا المالية والعدل، مع إزالة كل العقبات التي واجهت التدقيق السابق، وتمكين الشركة المكلفة من الوصول إلى جميع المستندات والسجلات والتحويلات والعمليات المالية التي جرت خلال الفترة المشمولة بالتحقيق.
وفي ما يتعلق بأهداف التدقيق، رأى الخولي أن الملف لا يقتصر على مراجعة حسابات مصرف لبنان فحسب، بل يتعداه إلى كشف كيفية إدارة مليارات الدولارات التي صُرفت تحت عنوان الدعم، وتحديد الجهات والأفراد الذين استفادوا منها بصورة غير مشروعة، إضافة إلى التدقيق في التحويلات المالية التي جرت لصالح بعض المصارف أو الجهات الخاصة والتحقق من مدى قانونيتها وانسجامها مع الأنظمة المرعية الإجراء.
وأكد أن الرأي العام اللبناني لم يعد يكتفي بالتوصيفات العامة للأزمة أو بالتقارير التقنية، بل ينتظر إجراءات عملية تفضي إلى محاسبة قضائية فعلية واسترداد الأموال المنهوبة أو المهدورة وملاحقة كل من يثبت تورطه في أي مخالفات مالية، بغض النظر عن موقعه السياسي أو الإداري أو المصرفي.
وختم الخولي حديثه بالتشديد على ضرورة نشر نتائج التدقيق أمام الرأي العام بكل شفافية، وإحالة أي مخالفات أو شبهات جرمية يتم اكتشافها فوراً إلى الجهات القضائية المختصة داخل لبنان وخارجه، معتبراً أن نجاح هذا المسار يشكل اختباراً جدياً لمدى التزام الدولة بمبادئ الشفافية والمساءلة وحماية حقوق المودعين واستعادة الأموال العامة، بعدما دفع اللبنانيون أثماناً باهظة نتيجة الانهيار المالي الذي شهدته البلاد.
