في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، يقف لبنان أمام مشهد مفتوح على أكثر من احتمال، بين استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب، وتعثر المساعي الدبلوماسية، وارتفاع منسوب السجال الداخلي حول جدوى المفاوضات ومسار الدولة في التعامل مع الضغوط الأميركية والإسرائيلية، هذا الواقع أعاد إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا حول موقع لبنان في المعادلة الإقليمية الجديدة، وحدود قدرة الدولة على انتزاع ضمانات حقيقية، في ظل ما يصفه معارضو هذا المسار بأنه “مشروع إسرائيلي” يتجاوز الاعتداءات الظرفية إلى محاولة فرض وقائع أمنية وسياسية جديدة في لبنان وسوريا.
وفي هذا السياق، رأى الكاتب والمحلل السياسي غسان ريفي، في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، أن خطاب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم لا يحتاج إلى قراءة كثيرة، لأنه استند إلى وقائع محددة، سائلًا: “ماذا جنى لبنان اليوم من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل؟”.
وأضاف ريفي: “هذا سؤال كبير، ولا أحد في السلطة اللبنانية يملك إجابة عنه، فالسلطة رفضت وقف إطلاق النار الآتي من إيران، على أساس أن دونالد ترامب، عندما يتدخل، لا ينتهك السيادة اللبنانية، وأنه قادر على تأمين وقف إطلاق نار جيد للبنان. لكن، وللأسف الشديد، تبيّن أن ترامب يعمل لمصلحة إسرائيل بالكامل، وأن إخضاع لبنان لاتفاقات ومفاوضات لم يجنِ منه سوى المزيد من الدمار والقتل والخراب”.
وتابع: “السلطة اللبنانية كسرت المحرّمات وارتكبت كبائر سياسية ودستورية، ووضعت يدها بيد العدو الإسرائيلي بشكل مباشر، فلم تحصل على وقف لإطلاق النار، ولم تحصل حتى على تراجع في الاعتداءات، بل على العكس، ازدادت الاعتداءات، وتضاعفت الوحشية الإسرائيلية، وتزايد القتل الإسرائيلي”.
وأشار إلى أن “السلطة تستعد اليوم لجولة مفاوضات عسكرية جديدة من دون أن تحصل على أي مكسب”، معتبرًا أن “السلطة اللبنانية تعطي المكاسب مجانًا لإسرائيل، وتؤكد وجهة نظر نتنياهو بأن لبنان مستسلم، وبأنه ينفذ ما تريده أميركا وإسرائيل”.
وقال ريفي: “من يراهن على أن دونالد ترامب يمكن أن يحب لبنان أو يعمل لمصلحته أكثر مما يحب إسرائيل ويعمل لمصلحتها، فهو كالظمآن الذي يحسب السراب ماءً، لذلك يجب اليوم قراءة المشهد بشكل أوسع، وبمسؤولية وطنية أكبر، وعلى السلطة اللبنانية أن تعي تمامًا ماذا تفعل، وأن تدرك أن ما تقوم به لن يجلب لها إلا المزيد من الاعتداءات”.
واعتبر أن “لبنان لا يواجه عدوانًا ظرفيًا، بل مشروعًا إسرائيليًا، فلو كان الأمر مجرد عدوان عابر، لكان بإمكان الدولة أن تقوم ببعض الخطوات التي تعتبرها إيجابية، أو التنازلات التي تسميها مفاوضات ومساعي، للحصول على وقف لإطلاق النار. لكننا اليوم أمام مشروع إسرائيلي فشل في إيران، بعدما فشل نتنياهو ودونالد ترامب في وضع الحجر الأساس له هناك، ليتمدّد إلى سائر المنطقة”.
وأضاف: “نتنياهو اليوم لديه هذه البقعة في لبنان وسوريا التي يلعب بها، وهو مسموح له من قبل ترامب أن يلعب بها. لذلك خرج قبل أسبوعين في مؤتمر صحافي وقال إنه يريد ربط جنوب لبنان بجنوب سوريا، لإقامة منطقة عازلة وحماية المستوطنين في شمال فلسطين”.
وشدد ريفي على أن “هذا يؤكد أننا أمام مشروع إسرائيلي صغير يمهّد للمشروع الأكبر، أي مشروع إسرائيل الكبرى، ويبدأ من لبنان وسوريا، وإذا كانت السلطة اللبنانية تقول إن في لبنان مقاومة، وتطالب بحصرية السلاح بيد الدولة وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، ففي سوريا لا توجد مقاومة، وهناك حصرية سلاح، ومع ذلك هناك 600 كلم من سوريا تحت السيطرة الإسرائيلية، وإسرائيل تبعد عن دمشق نحو 12 كلم، وسوريا تتعرض يوميًا لهجمات. إذًا، نحن أمام مشروع إسرائيلي ولسنا أمام عدوان إسرائيلي ظرفي”.
وعن خطاب الشيخ نعيم قاسم، قال ريفي: “إسرائيل، من خلال هذا المشروع، عادت وسيطرت على قسم من جنوب لبنان، وهذا القسم من واجب الشعب أن يعمل على تحريره، لذلك، سنكون حتمًا، عاجلًا أم آجلًا، أمام تحرير ثالث، كما تحدث الرئيس إميل لحود يوم أمس، عندما قال إنه لا بد أن نكون أمام التحرير الثالث”.
أما في ما يتعلق بالحكومة، فأشار إلى أن “الحكومة، إذا استمرت على ما هي عليه، من دفن رأسها في التراب، وعدم مواجهة العدوان الإسرائيلي، وفشل الدبلوماسية في وقف العدوان، وعدم مواجهة القرارات والعقوبات الأميركية على الدولة اللبنانية ومؤسساتها الأمنية، وعدم التعاطي مع الملف الاجتماعي، وعدم معالجة ملف الموظفين والقطاع العام، فلماذا تبقى هذه الحكومة؟”.
وأكد أن “الحكومة لا تحتاج إلى إسقاط، لأنها سقطت أساسًا، وانتهت مهمتها منذ أيام. وهي جنت على نفسها، أو أطلقت رصاصة الرحمة على نفسها، عندما تجاهلت العقوبات الأميركية، وظهرت إلى أي حد تخضع للإملاءات والعقوبات والقرارات الأميركية”.
وعن دعوة الشيخ نعيم قاسم إلى إسقاط الحكومة، رأى ريفي أن “هذه الدعوة لا يمكن أن تؤدي إلى فتنة في الشارع، لأننا نعرف أن الانقسام القائم حول موضوع المقاومة والحرب موجود أساسًا، والفتنة في لبنان تدور في كل مكان. إسرائيل تريد الفتنة، وأميركا تريدها، ويبدو أن هناك من في الداخل يساعد في هذا الاتجاه، لا سيما باتجاه المقاومة وأبناء الجنوب”.
وتابع: “الفتنة ليست في مصلحة أحد. وأنا اليوم وصفت الوضع العام. الحكومة لا تحتاج إلى من يطالب بإسقاطها، سواء كان الشيخ نعيم قاسم أو غيره، لأنها تسقط نفسها بنفسها نتيجة فشلها. وبالتالي، هذا الأمر لا يدخل ضمن إطار الفتنة”.
ولفت إلى أن “أكثر من طرف خرج إلى الشارع للمطالبة بإسقاط الحكومة، ومن بينهم المتقاعدون العسكريون الذين هاجموا مجلس النواب ودخلوا إليه وطالبوا بإسقاط الحكومة، واليوم القطاع العام يطالب بإسقاطها، وكل متضرر من أداء هذه الحكومة يطالب بإسقاطها”.
وختم ريفي: “من يريد افتعال فتنة يستغل أي كلمة أو موقف. ونحن اليوم أمام محاولة إسرائيلية لإشعال الفتنة في لبنان، وإرباك المقاومة والداخل، والدخول إلى المعادلة السياسية عبر دعم طرف ضد آخر، وتشريع العدوان الإسرائيلي، واستعادة أجواء عام 1982، حين هناك من يريد الدخول إلى رئاسة الجمهورية على الدبابة الإسرائيلية كما حصل بعد اجتياح 1982”.
