تعيش إسرائيل حالة ترقب متزايدة تجاه التحولات المتسارعة في سوريا، بعد مشاركة الجيش السوري الجديد للمرة الأولى منذ سقوط النظام السابق في مناورة عسكرية دولية خارج الأراضي السورية، وسط مخاوف إسرائيلية من تعاظم النفوذ التركي وتحول سوريا مستقبلًا إلى منصة ضغط إقليمية جديدة ضد تل أبيب، وربما أيضًا نحو لبنان.
وبحسب تقرير نشره موقع “معاريف” الإسرائيلي، شارك الجيش السوري الجديد في مناورة “EFES 2026” العسكرية التي تُجرى في منطقة خليج إزمير غرب تركيا، بمشاركة أكثر من 50 دولة غربية وإسلامية، في خطوة اعتُبرت مؤشرًا واضحًا على تعمّق التحالف العسكري والسياسي بين أنقرة ودمشق الجديدة.
وأشار التقرير إلى أن رئيس الأركان السوري علي النعسان وصل إلى تركيا والتقى نظيره التركي سلجوق بيرقدار أوغلو، قبل أن يحضر المناورات العسكرية التي ركزت على العمليات المشتركة بين القوات البرية والجوية والبحرية، بما في ذلك تنفيذ هجوم برمائي واسع انطلاقًا من البحر بإدارة مباشرة من السفينة التركية “TCG ANADOLU”، التي توصف بأنها أول حاملة مسيّرات من نوعها في العالم.
كما عرض الجيش التركي خلال المناورات مكونات من منظومة الدفاع الجوي الجديدة “القبة الفولاذية”، في رسالة عسكرية واضحة حول تطور القدرات الدفاعية التركية وتوسّع نفوذها الإقليمي.
وبحسب التقرير، فإن أنقرة تستعد للعب دور أكبر داخل حلف شمال الأطلسي “الناتو”، مستفيدة من التوترات العالمية والحرب الروسية – الأوكرانية والتطورات في مضيق هرمز، في وقت ترى فيه القيادة التركية أن اللحظة الحالية تشكل فرصة لإعادة رسم موازين القوى في المنطقة.
وفي هذا السياق، نقل التقرير عن الباحثة في الجيوبوليتيك والعلاقات الدولية الدكتورة عنات هوخبرغ ماروم قولها إن تركيا تعمل على ترسيخ نفسها كقوة إقليمية مهيمنة سياسيًا وعسكريًا وطاقويًا، بالتنسيق الوثيق مع القيادة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، المعروف سابقًا باسم “أبو محمد الجولاني”.
وأشار التقرير إلى دخول قوات تركية مدرعة ونحو 200 جندي تركي إلى شمال سوريا، مع توقعات بنشر منظومات دعم متطورة خلال الأسابيع المقبلة تشمل مدرعات وأنظمة دفاع جوي وطائرات مسيّرة وصواريخ دقيقة.
وأوضح التقرير أن أنقرة تنظر إلى سوريا باعتبارها مساحة نفوذ استراتيجية وممرًا أساسيًا لمشاريع الطاقة المستقبلية، بما يسمح لتركيا بالتحول إلى “ممر طاقة إقليمي” يربط الخليج بأوروبا بعيدًا عن المسارات التي تسيطر عليها قوى منافسة.
كما لفت التقرير إلى أن السيطرة التركية على شمال سوريا تمنح أنقرة أيضًا هامشًا أمنيًا مهمًا في مواجهة القوى الكردية، وتمنع إقامة كيان كردي مستقل على حدودها الجنوبية.
لكن الجزء الأكثر حساسية بالنسبة لإسرائيل، بحسب التقرير، يتعلق بالمخاوف من طبيعة النظام السوري الجديد وعلاقته المتنامية بتركيا.
فبحسب ما نقله التقرير عن مصادر في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، تعتبر تل أبيب أن نظام أحمد الشرع “نظام خطير” يستند إلى أيديولوجيا إسلامية متشددة، وأن الجيش السوري الجديد يُبنى بدعم مباشر من تركيا، ما قد يحوله مستقبلًا إلى تهديد مباشر لإسرائيل.
ونقل التقرير عن مصدر عسكري إسرائيلي قوله: “ليس لدينا أي ثقة بهذا النظام، وعلينا أن نتعامل معه كتهديد خطير جدًا”.
وفي تطور لافت، أشار مسؤول إسرائيلي آخر إلى أن القلق الإسرائيلي لا يقتصر على سوريا وحدها، بل يمتد إلى لبنان أيضًا، موضحًا أن إسرائيل تخشى أن يشعر السنّة في لبنان بالتهديد من “حزب الله”، ما قد يدفعهم إلى طلب المساعدة من أحمد الشرع وفتح الحدود أمام قواته للدخول إلى لبنان.
وأضاف المصدر: “رأينا هذا السيناريو في لبنان خلال الثمانينيات، ونعرف كيف انتهى”.
ويعكس هذا القلق الإسرائيلي إدراكًا متزايدًا بأن التحولات الجارية في سوريا لم تعد مجرد تغيير داخلي بعد سقوط النظام السابق، بل قد تتحول إلى إعادة تشكيل كاملة لموازين القوى في المشرق، مع صعود محور تركي – سوري جديد تراقبه تل أبيب بقلق متصاعد.
