رأى تقرير أميركي أن المحادثات الجارية بين لبنان وإسرائيل، رغم هشاشتها وتعقيداتها، قد تشكل فرصة نادرة لإعادة صياغة مقاربة مختلفة لملف “حزب الله”، تقوم على المعالجة السياسية والأمنية التدريجية بدل الاكتفاء بالخيار العسكري الذي فشل، بحسب التقرير، في تحقيق أهدافه طوال العقود الماضية.

وبحسب تقرير للباحث بلال صعب في مجلة ناشيونال إنترست الاميركية، فإن إسرائيل ولبنان ينظران إلى “حزب الله” من زاويتين مختلفتين تمامًا، ما يجعل أي تفاهم بين الطرفين بالغ التعقيد، لكنه في الوقت نفسه يكشف نقاطًا يمكن البناء عليها للوصول إلى مقاربة مشتركة.

وأشار التقرير إلى أن الحكومة اللبنانية تعتبر “حزب الله” تحديًا متعدد الأوجه، ليس فقط بسبب سلاحه وعلاقته بإيران، بل أيضًا نتيجة نفوذه الأمني والمالي والسياسي والاجتماعي داخل لبنان.

وأضاف أن بيروت تتعامل مع الحزب باعتباره “ميليشيا داخلية” تمتلك قدرات أمنية واستخباراتية واسعة، وتمارس العنف السياسي داخل لبنان، فضلًا عن امتلاكها شبكات مالية وأنشطة غير شرعية تساهم في تقويض سلطة الدولة والاقتصاد الرسمي.

وفي المقابل، أوضح التقرير أن إسرائيل تنظر إلى “حزب الله” من زاوية أمنية بحتة، حيث ينصب تركيزها الأساسي على منع إطلاق الصواريخ والمسيّرات نحو الأراضي الإسرائيلية، بغض النظر عن طبيعة نفوذ الحزب داخل لبنان أو تداعياته السياسية والاجتماعية على الدولة اللبنانية.

واعتبر التقرير أن هذه المقاربة الأمنية الإسرائيلية دفعت تل أبيب لعقود إلى الاعتماد على القوة العسكرية فقط، بدءًا من احتلال الجنوب وإنشاء “الحزام الأمني”، مرورًا بالحروب المتكررة مع “حزب الله” أعوام 1993 و1996 و2006، وصولًا إلى العمليات الحالية داخل جنوب لبنان.

لكن التقرير شدد على أن كل المحاولات العسكرية الإسرائيلية السابقة “فشلت” في القضاء على الحزب أو نزعه من المشهد، بل أدت في كثير من الأحيان إلى تعزيز قوته بعد كل مواجهة.

وأشار الباحث إلى أن إسرائيل عادت مجددًا إلى إنشاء منطقة عازلة داخل جنوب لبنان، مع اعتماد سياسة تدمير واسعة للبلدات الحدودية على غرار ما جرى في غزة، ما جعل عودة السكان إلى مناطقهم شبه مستحيلة في الوقت الحالي.

ورغم حجم الضربات الإسرائيلية، يؤكد التقرير أن “حزب الله” لا يزال قادرًا على تنفيذ عمليات ضد إسرائيل وقتل جنود إسرائيليين داخل الأراضي اللبنانية، تمامًا كما فعل خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي للجنوب بين عامي 1985 و2000.

وفي قراءة للمشهد اللبناني الداخلي، كشف التقرير أن رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام اتخذا خلال الأشهر الماضية سلسلة خطوات لمواجهة نفوذ “حزب الله”، شملت مواقف سياسية علنية بشأن حصرية السلاح بيد الدولة، وإجراءات أمنية وإدارية داخل المطار ومرفأ بيروت، إضافة إلى تحركات قضائية ومالية مرتبطة بمؤسسات الحزب.

كما أشار التقرير إلى أن مصرف لبنان، بقيادة الحاكم كريم سعيد، منع المصارف وشركات الوساطة من التعامل مع مؤسسة “القرض الحسن”، الذراع المالية الأساسية لـ”حزب الله”.

وفي الجانب العسكري، أوضح التقرير أن الجيش اللبناني بدأ منذ أيلول الماضي تنفيذ عمليات لإزالة أنفاق ومواقع إطلاق صواريخ ومنشآت عسكرية جنوب الليطاني، ضمن خطة حكومية لنزع السلاح تدريجيًا من تلك المنطقة بحلول نهاية عام 2025، مع الإقرار بأن التحدي الأكبر يبقى شمال الليطاني، حيث يرفض “حزب الله” أي بحث في تفكيك ترسانته العسكرية.

ورغم ذلك، اعتبر التقرير أن قدرة الدولة اللبنانية على التقدم في هذا المسار تبقى مرتبطة بوقف الاستنزاف الإسرائيلي المستمر للبنان، محذرًا من أن القصف الواسع وتدمير البنى التحتية وتهجير السكان يجعل مهمة الدولة اللبنانية في مواجهة “حزب الله” أكثر صعوبة.

وختم التقرير بالتأكيد أن أي مسار واقعي لمعالجة ملف “حزب الله” يحتاج إلى خطوات تدريجية ومتبادلة، تشمل انسحابًا إسرائيليًا من أجزاء من المنطقة العازلة، ووقف استهداف المناطق المدنية، والإفراج عن أسرى لبنانيين، مقابل تعزيز دور الدولة اللبنانية وانتشار الجيش في مناطق حساسة، بما فيها الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق شمال الليطاني.

ويعكس هذا الطرح الأميركي إدراكًا متزايدًا داخل بعض مراكز القرار الغربية بأن معادلة “القوة وحدها” لم تعد كافية في لبنان، وأن أي محاولة لإضعاف “حزب الله” تمر حتمًا عبر الدولة اللبنانية نفسها، لا من فوقها أو على أنقاضها.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version