سؤال يبدو للوهلة الأولى أقرب إلى التمنّي الطوباوي منه إلى التحليل البارد، لكن التاريخ يعلّمنا أن الإمبراطوريات لا تعقد صداقات دائمة، بل مصالح وإن طالت فهي إلى تبدُّل، وأن الحلفاء لا يسقطون حين يضعفون فقط، بل حين تصبح كلفة حمايتهم أعلى من عائد بقائهم.

إسرائيل نفسها وُلدت من قصاصة ورقة. قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة( هيئة الأمم وقتذاك) يحمل الرقم 181 عام 1947 والذي لم يكن أكثر من نصّ أممي اقترح تقسيم فلسطين. قصاصة ورقة، نعم، لكنها كانت قصاصة أشبه بقصاص جَماعي. قصاصة مدعومة بميزان قوى دولي جديد خرج من الحرب العالمية الثانية، وبإرادة استعمارية كانت تبحث عن إعادة ترتيب الشرق. لم تكن الشرعية وحدها هي التي صنعت الدولة، بل القوة التي جاءت بعدها. وفي السياسة الدولية، الأوراق لا تحكم إلا حين تحرسها البوارج الحربية والصواريخ.

من هنا، تبدو المفارقة لافتة. الكيان الذي استند إلى شرعية أممية أولى، صار يعيش منذ عقود على تعطيل الشرعية الأممية نفسها. عشرات القرارات المتعلقة بالاحتلال والاستيطان والقدس واللاجئين بقيت معلّقة في الهواء لأن اليد الأميركية كانت جاهزة دائمًا لالتقاطها وإسقاطها. وإذا كانت الأمم المتحدة قد منحت إسرائيل لحظة الميلاد الرمزية، فإن واشنطن منحتها شروط البقاء الفعلية.

لكن التاريخ الأميركي نفسه لا يحب العلاقات المقدسة. الشاه الإيراني كان شرطي الخليج المدلّل، ثم تُرك يواجه مصيره. نيكاراغوا شهدت تبدّل التحالفات الأميركية وفق الحاجة. فييتنام الجنوبية كانت مشروعًا أميركيًا كاملاً قبل أن تصبح عبئًا أخلاقيًا وعسكريًا وسياسيًا. حتى حلفاء واشنطن الأوروبيون يعرفون أن المظلة الأميركية ليست عقد زواج كاثوليكيًا، بل ترتيبًا قابلًا للمراجعة.

الفرق أن إسرائيل ليست حليفًا تقليديًا فقط. إنها متغلغلة في البنية السياسية الأميركية نفسها: في الكونغرس، في جماعات الضغط، في المخيال الإنجيلي لدى قطاعات واسعة من اليمين الأميركي، وفي سردية حضارية تُقدَّم فيها بوصفها امتدادًا متقدّمًا للغرب في شرق مضطرب. لهذا لا يكفي أن تصبح إسرائيل مشكلة كي تتخلى عنها واشنطن؛ ينبغي أن تتحول إلى مشكلة داخلية أميركية أيضًا.

هنا يدخل دونالد ترامب بوصفه حالة مختلفة ومتشابهة في آن. الرجل الذي اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة، وبارك ضم الجولان، لا يبدو مرشحًا نفسيًا للتخلي عنها. لكنه أيضًا رجل صفقات لا عقائد ثابتة. هو لا يرى العالم كشبكة قيم بل كسوق مفتوح للمقايضة. الحليف الجيد هو الذي يربح معه. والحليف السيئ هو الذي يكلّفه كثيرًا ويمنحه قليلاً.

من هذه الزاوية، السؤال ليس: هل يحب ترامب إسرائيل؟ بل: متى يراها عبئًا على مشروعه؟ إذا كانت إسرائيل قادرة على إشعال المنطقة، وتعطيل ترتيبات يريدها مع الخليج، ورفع كلفة الانتشار الأميركي، وخلق صدامات تُربك أولوياته مع الصين أو الاقتصاد الداخلي، فإن الحساب قد يتبدّل. ليس أخلاقيًا. لا أحد يتوقع صحوة ضمير جيوسياسية. بل حسابيًا.

لكن إسرائيل نفسها تبدو في هذه المرحلة كمن يدفع حليفها إلى الحافة. حكومة الاحتلال الحالية، مع شخصيات مثل إيتمار بن غفير، لا تبدو مجرد حكومة يمين؛ إنها أقرب إلى مشروع انفجار دائم. بن غفير ليس تفصيلًا فولكلوريًا في مشهد التطرف الإسرائيلي، بل تعبير مكثف عن انتقال هامش الأفكار الأكثر راديكالية إلى قلب القرار. حين يصبح رجل كهذا مؤثرًا في تعريف الأمن والسيادة والرد، فإن الحليف الأميركي لا يتعامل مع دولة مستقرة، بل مع مولّد أزمات متحرك.

وها هو أسطول الحرية يعود كرمز كاشف. سفن مدنية تحاول كسر الحصار عن غزة، فيما إسرائيل تتعامل مع أي مبادرة إنسانية كتهديد أمني. المشهد ليس مجرد تفصيل بحري؛ إنه صورة أخلاقية قاتلة في زمن الصورة. إمبراطورية تدّعي قيادة النظام الدولي تجد نفسها، بحكم تحالفها، في موقع المدافع عن حصار شعب جائع أو عن اعتراض سفن تحمل خطابًا إنسانيًا. كل صورة من هذا النوع لا تضرب إسرائيل وحدها؛ إنها تستنزف الرواية الأميركية أيضًا.

لقد عرف التاريخ لحظات مشابهة. جنوب أفريقيا في زمن الفصل العنصري لم تسقط فقط بسبب مقاومة الداخل، بل لأن كلفة الدفاع عنها أخلاقيًا وسياسيًا صارت مرتفعة على داعميها. فرنسا غادرت الجزائر حين صار البقاء أكثر استنزافًا من الرحيل. الاحتلالات لا تسقط حين تكتشف فجأة خطأها الأخلاقي، بل حين يصبح استمرارها مكلفًا.

لكن إسرائيل ما زالت بعيدة عن تلك اللحظة الحاسمة، رغم التآكل الواضح. السبب أن البديل لم ينضج في الذهن الأميركي. التخلي عن إسرائيل ليس مجرد قرار تكتيكي، بل زلزال في بنية سردية كاملة. ما الذي سيحل مكانها؟ من يملأ الفراغ؟ وكيف تُدار تداعيات الانكشاف؟

ربما السؤال الأدق ليس متى تتخلى أميركا عن إسرائيل، بل متى تصبح كلفة التمسك بها أعلى من كلفة إعادة تعريف العلاقة معها؟

في السياسة، لا أحد يُضحّى به لأنه ظالم فقط. يُضحّى به حين يصبح عبئًا.

وعند تلك النقطة، قد تكتشف إسرائيل الحقيقة الأكثر قسوة: أن الدولة التي وُلدت على ورقة، وعاشت تحت مظلة القوة، يمكن أن تجد نفسها يومًا أمام قوة تقلب الورقة نفسها، وتمضي.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version