في دولة تحب أن تفرض هيبتها على مواطنيها بشعارات “دولة القانون” و”تنفيذ القرارات القضائية”، تكفي مخالفة بناء واحدة في الزعيترية – الفنار لتُسقط كل هذا المسرح السياسي والإعلامي دفعة واحدة. بناء مخالف على أملاك بلدية، قرار قضائي واضح وصريح بالهدم، مراجعات قانونية وإدارية مكتملة، وطلبات مؤازرة أمنية موثقة… ومع ذلك، المخالفة ما تزال قائمة، وكأن الدولة اللبنانية تقف عاجزة أمام جدار باطون.

القضية تتعلق بالعقار رقم 492 من منطقة الفنار العقارية، حيث تكشف الوثائق الرسمية أن القضاء المختص أصدر قراراً واضحاً بوجوب هدم مخالفة بناء على أرض تابعة للبلدية. لكن ما حصل بعد ذلك يكشف كيف تتحول الدولة في لبنان إلى مجرد إدارة خائفة من تنفيذ قراراتها بنفسها.

بحسب المعطيات، طلبت فصيلة الدكوانة مؤازرة أمنية لتنفيذ قرار الهدم، نظراً لما وصفته بحساسية المنطقة. وبعد مراجعة القوى الأمنية، تبيّن أن قوى الأمن الداخلي تلكأت في تنفيذ المهمة، ليُطلب لاحقاً تدخل الجيش اللبناني للمؤازرة. إلا أن طلب المؤازرة بقي عالقاً منذ نهاية شهر نيسان الماضي وحتى اليوم، من دون أي تنفيذ فعلي للقرار القضائي.

هنا لا يعود السؤال عن مخالفة بناء فقط، بل عن معنى وجود الدولة نفسها. ماذا يعني أن يصدر القضاء قراراً ولا تجرؤ الأجهزة على تنفيذه؟ ماذا يعني أن تقف الدولة متفرجة أمام مخالفة على أملاك بلدية لأنها تخشى ردات الفعل؟ وإذا كانت الدولة عاجزة عن إزالة مخالفة بناء في حي معروف بحساسيته السياسية والأمنية، فكيف تقنع اللبنانيين بأنها قادرة على فرض سيادتها في ملفات أكبر وأخطر؟

المفارقة أن المسؤولين أنفسهم الذين يرفعون يومياً شعارات حصرية السلاح وبسط سلطة الدولة، يعجزون عن إرسال جرافة لهدم مخالفة بناء. يتحدثون عن فرض قرارات استراتيجية كبرى، فيما هم غير قادرين حتى على تنفيذ قرار قضائي يتعلق بعقار مخالف. أي دولة هذه التي ترتجف أمام مخالفة؟ وأي سلطة تلك التي تحتاج أشهراً من “المؤازرات” لتنفيذ حكم قضائي؟

الفضيحة هنا ليست في المخالفة فقط، بل في الانكشاف الكامل لعجز الدولة اللبنانية. دولة لا تثق بنفسها، ولا تملك الجرأة لتطبيق قراراتها، ولا تريد أساساً أن تتصرف كدولة. تختبئ خلف الحسابات السياسية والطائفية، وتؤجل التنفيذ بانتظار تسوية أو غطاء أو تفاهم، فيما القانون يتحول إلى مجرد ورقة لا قيمة لها.

وإذا كانت الدولة عاجزة عن إزالة مخالفة بناء في حي واحد، فكيف تقنع اللبنانيين بأنها قادرة على خوض معارك أكبر تتعلق بالسلاح والسيادة وفرض القرار الأمني؟ وكيف لمسؤولين يرفعون يومياً شعار “حصرية السلاح” أن يقنعوا الناس بقدرتهم على تنفيذ مشاريعهم، فيما جرافة واحدة تحتاج أشهراً من الاتصالات والمؤازرات ولا تزال عاجزة عن التحرك؟

ما يجري في الزعيترية – الفنار ليس حادثة إدارية عابرة، بل نموذج مصغّر عن لبنان كله: قضاء يصدر أحكاماً، أجهزة تمتنع عن التنفيذ، وسياسيون يهربون من المواجهة، فيما الدولة تتآكل أمام أعين الجميع.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version