كتب خضر فرحات في موقع Jnews Lebanon

أثارت البيانات المالية الأخيرة لمصرف لبنان حالة من الجدل في الأوساط الاقتصادية، بعدما كشفت عن ارتفاع هائل في محفظة الأوراق المالية (Securities Portfolio) من 168.2 مليون دولار في نهاية عام 2024 إلى نحو 5.56 مليار دولار بحلول آذار 2026. هذه القفزة التي تقدر بـ 32 ضعفاً (زيادة بنحو 5.4 مليار دولار)، وضعت المصرف المركزي تحت مجهر التدقيق، وسط تساؤلات حول طبيعة هذه الاستثمارات ومخاطرها.

اقرأ أيضاً خاص- دولار لبنان.. هل اقترب الانفجار؟

 

 

قراءة في الأرقام: إعادة توزيع لا “مغامرة”

تشير مصادر مالية متابعة لـ JNews Lebanon إلى أن تصوير هذا الارتفاع كـ “رهان متهور” على سندات الخزانة الأميركية يفتقر للدقة المحاسبية. وبالتحليل المعمق لميزانية “المركزي” في ديسمبر 2025، يتبين أن ارتفاع قيمة الأوراق المالية إلى 4.28 مليار دولار واكبه انخفاض في أرصدة العملات الأجنبية من 10.09 مليار دولار إلى 7.74 مليار دولار.

 

هذا التقاطع الرقمي يؤكد أن ما حدث هو “إعادة تخصيص” (Reallocation) للأصول الاحتياطية وليس خلقاً لمراكز استثمارية مضاربة من العدم. وبمعنى أوضح، قام مصرف لبنان بتحويل جزء من سيولته النقدية (Cash) التي كانت تقبع في الحسابات الجارية إلى أدوات مالية سيادية عالية الجودة.

 

الغطاء القانوني والجدوى المالية

وفيما يخص الجانب القانوني، علمت JNews Lebanon من خبراء قانونيين وماليين أنه لا يوجد نص صريح يلزم المصرف المركزي بإبقاء الاحتياطيات الإلزامية “سيولة جامدة” في الخزائن. بل على العكس، فإن استثمار هذه الأصول في سندات سيادية ذات سيولة عالية وجودة ائتمانية مرتفعة (مثل سندات الخزانة الأميركية) يعد ممارسة قياسية في إدارة احتياطيات البنوك المركزية عالمياً لتوليد عائد بدلاً من تركها عرضة للتآكل بفعل التضخم.
اقرأ أيضاً خاص- الدولار الرقمي.. نهاية اقتصاد الكاش في لبنان؟

 

التحديات الحقيقية: الشفافية وإدارة المخاطر

تؤكد مصادرنا أن السؤال الجوهري لا يكمن في “لماذا ارتفعت النسبة؟”، بل في تفاصيل إدارة هذه المحفظة. وتبرز هنا أربعة تحديات أساسية تطالب JNews Lebanon المصرف المركزي بالإفصاح عنها:

  • آجال الاستحقاق (Maturity Profile): متى تستحق هذه السندات وهل تضمن تدفقاً نقدياً عند الحاجة؟
  • مخاطر المدة (Duration Risk): كيف سيتأثر المصرف بتقلبات الفائدة العالمية؟
  • التصنيف المحاسبي: هل يتم تقييم هذه السندات بالتكلفة المطفأة (Amortised Cost) وفق معيار IFRS 9، أم يتم تقييمها بالقيمة العادلة؟ وهو ما يحدد كيفية ظهور الأرباح أو الخسائر في الميزانية.
    الحوكمة: ما هي حدود المخاطر والمعايير التي تم بناءً عليها اختيار هذه المحفظة؟

إن الارتفاع الكبير في محفظة أوراق مصرف لبنان، رغم ضخامته، لا يعني بالضرورة سلوكاً “غير حذر”. فالمسألة يجب أن تُقرأ من زاوية إدارة الاحتياطيات، والرقابة على المخاطر، والشفافية في الإفصاح. إن تحول المصرف المركزي نحو تنويع أصوله قد يكون خطوة نحو الاحترافية المالية، بشرط أن يقترن ذلك بمكاشفة كاملة للرأي العام حول طبيعة هذه الالتزامات لضمان عدم تكرار فجوات الماضي.

 

 

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version