ما يحصل داخل المجلس البلدي لبلدية بيروت لم يعد خافياً على أحد. جلسات تُعقد شكلاً لا مضموناً، وقرارات تمرّ في الظلام، وصفقات تُخاط على مقاس أشخاص محددين، لا على أساس مصلحة المدينة ولا أهلها.
فضيحة الجلسة الأخيرة ليست في النقاش، بل في ما كشف خلاله بوضوح: ملفات تُمنح دائماً للمتعهدين أنفسهم، عقود تتكرر بأسماء وواجهات مختلفة، من التشجير إلى التنظيف، من الأرصفة إلى البنى التحتية، وكأن البلدية تحولت إلى شركة عائلية توزع المناقصات على الأبناء والأصدقاء.
لدى انكشاف هذا الأمر رفض بعض الأعضاء ان يكونوا شهود زور فقاطعوا الجلسة، و فضلو أن لا يكونوا شهود زور على صفقات يعرف الجميع أنها فُصلت على مقاس محسوم مسبقاً، لا منافسة فيها ولا شفافية، بل تفاهمات تحت الطاولة وتقاسم للمنافع وتوزيع للغنائم.
لقد بلغ الأمر حداً لم يعد مقبولاً: ملفات تُستنسخ، عروض أسعار لا تعكس السوق، أعمال تُسند بلا دراسة ولا رقابة، وأموال الناس تُصرف من دون أن يلمس أحد أي تطوير حقيقي على الأرض.
أما خدمة المواطن؟ فهي في ذيل الأولويات. الأرصفة تتكسر، الشوارع تُهمل، الحدائق تجف، والنظافة تتراجع، بينما الفواتير تُدفع، والعقود تُجدّد، والمتعهدون أنفسهم يحققون الأرباح ذاتها سنة بعد سنة.
هذه ليست إدارة، هذه شبكة مصالح تنخر البلدية من الداخل. مجلس يتحول إلى واجهة لتغطية الفساد، ولجان تُفصل لإضفاء الشرعية على المحظورات، وقرارات تُتخذ في الغرف المغلقة قبل أن تُعرض على الناس كأمر واقع.
إلى متى سيبقى السكوت سيد الموقف؟
إلى متى سيدفع المواطن الثمن مرتين: مرة عبر الضرائب والرسوم، ومرة عبر خدمات غائبة أو متدنية؟
البلدية ليست ملكاً لأحد، والمناقصات ليست مزرعة خاصة، والمال العام ليس أرباحاً تُقسم على المقربين. كل صفقة فاسدة هي سرقة موصوفة، وكل توقيع عليها هو مشاركة في الجريمة.
إما محاسبة جدية تكشف كل المستور وتعيد المال العام إلى مساره الصحيح، أو اعتراف رسمي بأن البلدية تحولت إلى شركة خاصة تُدار على حساب الناس جميعاً.
