في بلدٍ يترنّح تحت وطأة الحروب والأزمات والانهيار الاقتصادي، لم يعد اللبناني يبحث عن الرفاهية، بل عن “نَفَس” بسيط يهرب فيه لساعات من الضغوط اليومية. لكن حتى هذا الحق الطبيعي، يبدو أنه بات محاصرًا بالفواتير والأسعار الخيالية، وكأن الاستراحة نفسها أصبحت امتيازًا طبقيًا لا يقدر عليه إلا القادرون.
مع بداية صيف 2026، انفجرت موجة جديدة من الغلاء بعدما سجّلت أسعار الدخول إلى المسابح والمنتجعات البحرية أرقامًا صادمة، وصلت في بعض الأماكن إلى 60 دولارًا للشخص الواحد، فيما باتت كلفة يوم عائلي عادي على البحر تتجاوز بسهولة 300 دولار بين دخوليات وطعام وتنقلات وازدحام.
في بيروت، تتراوح أسعار الدخول بين 30 و60 دولارًا للفرد، وفي جونية وجبيل تلامس الـ30 دولارًا، فيما تتراوح الأسعار في البترون والشوف بين 20 و35 دولارًا. ورغم أن بعض هذه المنتجعات يقدّم نفسه ضمن فئة “الفخامة”، إلا أن السؤال الذي يطرحه اللبنانيون اليوم أبسط بكثير: هل أصبح البحر نفسه سلعة للأثرياء فقط؟
المشهد يتجاوز قضية الأسعار وحدها، ليكشف أزمة أعمق مرتبطة بطبيعة الحياة في لبنان. ففي بلد يعيش على وقع التهديدات الأمنية والحرب المستمرة جنوبًا، والانهيار المالي الذي أطاح بالقدرة الشرائية لمعظم الناس، يصبح البحر بالنسبة إلى العائلات مساحة للهروب النفسي أكثر مما هو ترفيهًا موسميًا. لكن حتى هذا المتنفّس الطبيعي، جرى تحويله تدريجيًا إلى مشاريع خاصة وأسوار مغلقة ومنتجعات لا تشبه واقع غالبية اللبنانيين.
وفي وقتٍ تعاني فيه البلاد من غياب شبه كامل للحدائق العامة والمساحات المفتوحة والبنى الترفيهية المجانية، يجد المواطن نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما شواطئ عامة مهمّشة وغير مجهّزة، وفي كثير من الأحيان خطرة أو ملوّثة، وإما منتجعات تفرض على العائلة الواحدة فاتورة تعادل راتب موظف لشهر كامل.
الأخطر أن هذا الواقع يُقدَّم تدريجيًا على أنه “النموذج الطبيعي” للحياة الصيفية في لبنان، تحت شعارات “اللايف ستايل” و”البرستيج” و”الترند”، فيما يتحوّل الاعتراض على الأسعار إلى تهمة اجتماعية، وكأن من لا يستطيع دفع مئات الدولارات لقضاء نهار على البحر، هو خارج العصر أو لا يفهم “الصيف اللبناني”.
ففي بلد تُرفع فيه شعارات “الصمود”، يجد المواطن نفسه عاجزًا حتى عن قضاء يوم عادي على البحر مع عائلته. وبين الحرب والانهيار والبطالة وارتفاع الأسعار، يصبح السؤال أكبر من مجرد “دخولية مسبح”: أي نموذج حياة يُفرض على اللبنانيين اليوم؟ .
في النهاية، لا يبدو الغضب الشعبي مرتبطًا بالمسابح وحدها، بل بإحساس جماعي بأن كل شيء في هذا البلد بات يُباع لمن يملك المال فقط: البحر، والراحة، والهدوء، وحتى
في لبنان اليوم، لم تعد الأزمة تُقاس فقط بسعر الخبز أو فاتورة الكهرباء أو كلفة المعيشة، بل حتى بالقدرة على الهروب لساعات قليلة من هذا الواقع القاسي. فالبحر الذي كان يومًا مساحة للجميع، تحوّل تدريجيًا إلى رفاهية محصورة بمن يملك المال، فيما بات اللبناني العادي يحسب كلفة “النَفَس” قبل أن يقرّر إن كان يستطيع أخذه أم لا. والأسوأ أن الناس لم تعد تطالب بالكثير، بل فقط بحق بسيط: أن تعيش يومًا طبيعيًا من دون أن تشعر أن الحياة نفسها أصبحت حكرًا على المقتدرين وحدهم.
