في زمن السوشيل ميديا، لم تعد المشكلة محصورة بالمحتوى الصادم بحد ذاته، بل بالطريقة التي يجري فيها تطبيع هذا الصدم وتحويله إلى مادة للضحك والتفاعل والسعي وراء “الترند”. فحين ينشر أحدهم صورة لطفلة صغيرة جدًا، ويُرفقها بعبارة تحمل إيحاءً مرتبطًا باسم “إبستين”، ثم يخرج لاحقًا ليقول: “كنت أمزح”، فالمسألة هنا تتجاوز حدود “الدعابة السوداء” بكثير.
بدأت القصة عندما نشر أحد الناشطين عبر خاصية “الستوري” على إنستغرام صورة لطفلة، وأرفقها بعبارة: “حركتلي إبستين اللي جواتي”، ما أثار صدمة واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، نظرًا إلى ارتباط اسم “إبستين” عالميًا بملفات استغلال الأطفال والجرائم الجنسية بحق القاصرين. ومع تصاعد الغضب، حاول الناشط تبرير ما كتبه، معتبرًا أن الأمر كان مجرد “مزحة”، وأن الناس “فهمت الموضوع بشكل خاطئ”، مشيرًا إلى أن اسم “إبستين” يُستخدم أحيانًا ضمن موجة من المزح والسخرية على الإنترنت ولم يكتفِ بذلك، بل هاجم المدافعين عن حقوق الأطفال، ووجّه إليهم عبارات مسيئة، واصفًا إياهم بـ”النسويات التعيسات”، قبل أن يكتب بلهجة تهديدية: “راجع لكم… أقسم بالله لأجعل ليلتكم سوداء”، ما زاد من حدة الانتقادات الموجهة إليه، ودفع كثيرين إلى اعتبار أن القضية لم تعد تتعلق فقط بمنشور صادم، بل بخطاب خطير يحاول السخرية من الاعتراضات الأخلاقية نفسها وتحويلها إلى مادة للهجوم والاستهزاء.
لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في المنشور نفسه، بل في العقلية التي تحاول تقديم هذا النوع من الكلام وكأنه أمر طبيعي أو مقبول أو حتى مضحك. وهنا تبدأ الخطورة الفعلية: عندما يتحول الصادم إلى مادة ترفيه، وتصبح الإشارات المرتبطة بالأطفال والاستغلال والانحراف جزءًا من قاموس المزاح اليومي على المنصات الرقمية.
المجتمعات لا تنهار دفعة واحدة، بل بالتدريج. تبدأ القصة بمصطلحات صادمة تُستخدم على شكل “نكات ساخرة” أو “مواد للتداول والتفاعل”، ثم تعليقات تُقدَّم على أنها “مزاح أسود” أو “دعابات قاتمة” مع تبريرات من نوع “لم أقصد” أو “أنتم فهمتموني غلط”. وبعد فترة، يصبح الخط الأحمر أقل وضوحًا، وتتراجع حساسية الناس تجاه الكلمات، ثم تجاه الأفكار، إلى أن يصبح ما كان مرفوضًا بالكامل شيئًا عاديًا ومتداولًا.
وهذا تحديدًا ما يجعل القضية أخطر من مجرد “دعابة ثقيلة”. فالعقل البشري يعتاد على التكرار. وكلما تكررت الإيحاءات الصادمة ضمن قالب ساخر أو خفيف، تراجعت صدمة الناس تجاهها. ومع الوقت، يبدأ العقل الباطني بالتعامل مع هذه المفاهيم وكأنها مألوفة أو قابلة للتقبّل، حتى لو كانت مرتبطة بأخطر القضايا الإنسانية والأخلاقية.
المقلق أيضًا أن بعض المؤثرين والناشطين باتوا يتعاملون مع أي انتقاد وكأنه “حملة” أو “هجوم شخصي”، بدل أن يسألوا أنفسهم لماذا شعر هذا العدد الكبير من الناس بالاشمئزاز أو الخوف من الكلام. فهناك أمور لا تحتمل المزاح أصلًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالأطفال.
وفي خضم هذا النقاش، برزت على مواقع التواصل الاجتماعي أيضًا أصوات حاولت نقل المسؤولية إلى الأهالي أنفسهم، عبر القول إنه “لا يجب نشر صور الأطفال على الإنترنت”. لكن المشكلة الحقيقية ليست في صورة طفل بريء، بل في العقلية المنحرفة التي تنظر إلى البراءة بعين مريضة. فمن الطبيعي أن ينشر الأهل صور أولادهم وذكرياتهم وفرحتهم بهم، ومن الطبيعي أن تعيش الفتيات والأطفال حياتهم بحرية وأمان، ليلًا كما نهارًا، من دون خوف أو تقييد بسبب وجود أشخاص يملكون سلوكيات منحرفة أو خطيرة.
ربط البراءة بإيحاءات مرتبطة بملفات استغلال الأطفال ليس “خفة دم”، ولا يمكن اعتباره مجرد سوء فهم أو حساسية زائدة. بل هو انحدار خطير في الخطاب الرقمي، خاصة عندما تتحول الصدمة إلى وسيلة لجذب الانتباه وتحقيق الانتشار. والأسوأ أن بعض المنصات تساهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تعزيز هذا النوع من المحتوى عبر التفاعل وإعادة النشر، ليصبح كل شيء قابلًا للاستهلاك طالما أنه يحقق المشاهدات.
المشكلة لا تتعلق بشخص واحد أو منشور واحد، بل بثقافة رقمية تتوسع يومًا بعد يوم، ثقافة تعتبر أن كل شيء قابل للمزاح، حتى أكثر المواضيع حساسية وخطورة. ومع الوقت، يفقد الناس حساسيتهم تجاه الكلمات، ثم تجاه الأفعال، ثم تبدأ مرحلة التطبيع الفعلي مع أفكار كان المجتمع يرفضها بشكل قاطع.
لا أحد يطالب بمحاكمات شعبية أو بحملات كراهية، لكن في المقابل لا يمكن تمرير هذا النوع من الكلام تحت عنوان “المزح”. لأن التهاون مع الإيحاءات المتعلقة بالأطفال يفتح الباب أمام بيئة رقمية مشوهة، تصبح فيها الحدود الأخلاقية ضبابية، ويصبح الدفاع عن الأطفال نفسه مادة للسخرية أو الاتهام بالمبالغة.
السوشيل ميديا اليوم لم تعد مجرد مساحة للترفيه، بل مساحة تؤثر بشكل مباشر على وعي جيل كامل. وكل كلمة تُقال أمام مئات الآلاف أو ملايين المتابعين تترك أثرًا، سواء اعترف أصحابها بذلك أم لا. ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو تحويل القضايا المرتبطة بالأطفال إلى مادة “كوميديا سوداء”، ثم مطالبة الناس بأن يضحكوا بدل أن يقلقوا.
لأن بعض “المزحات” لا تُضحك أبدًا… بل تكشف إلى أي حد بات الخطير يبدو طبيعيًا على الإنترنت.
