في فضيحة جديدة على الأملاك البحرية، تبيّن أن الترخيص الذي مُنح لإقامة مسبح شعبي وكيوسك في الضبية صدر رغم وجود مجرور يصب مباشرة في الشاطئ.

الأخطر، أن وزير الأشغال العامة والنقل منح تغطية لمشروع لا يملك أساساً صلاحية الترخيص له، إذ إن إشغال الأملاك البحرية لا يتم بقرار فردي من الوزير، بل يحتاج إلى تشريع أو إلى قرار صادر عن مجلس الوزراء. ومع ذلك، جرى تمرير المشروع وكأن الأملاك البحرية باتت مستباحة لمن يريد الاستثمار أو إقامة مشاريع خاصة تحت عنوان “المسبح الشعبي”.

وتلفت مصادر متابعة، عبر “ليبانون ديبايت”، إلى أن وزير الأشغال الحالي ورث داخل الوزارة ما يشبه “مغارة علي بابا” من المخالفات والتجاوزات المتراكمة منذ سنوات، إلا أن الخطورة تكمن في استمرار بعض الإدارات والموظفين بالتعامل مع الأملاك البحرية بالعقلية نفسها، عبر تمرير ملفات وتراخيص مشبوهة من دون التدقيق القانوني والبيئي المطلوب.

وبحسب المعطيات، فإن ملف الضبية ليس حالة منفردة، بل واحد من عشرات الملفات المشابهة الموجودة داخل الوزارة، حيث تُمنح تراخيص أو تغطيات لإشغالات وتعديات على الأملاك البحرية، فيما يدفع بعض المستفيدين الأموال ويُفرض الأمر الواقع لاحقاً على الدولة والشاطئ العام.

وتؤكد المصادر أن الوزير لا يمكنه الاكتفاء بالتوقيع على ما ترفعه إليه الإدارة، بل يفترض أن يتحمل مسؤولية التدقيق في قانونية هذه الملفات، خصوصاً أن جزءاً كبيراً منها قد يورّط الوزارة مجدداً في مخالفات واضحة تتعلق بالأملاك البحرية العامة.

وتُظهر مستندات رسمية حصل عليها “ليبانون ديبايت” أن تنظيم المسابح الشعبية والأكشاك التابعة لها يخضع حصراً لإشراف وزارة الأشغال العامة والنقل ضمن “البرنامج الوطني للمسابح المجانية للعموم”، كما تُظهر الوقائع أن المسابح الشعبية التي أُنشئت سابقاً ضمن هذا البرنامج كانت محددة بمواقع مدروسة ومعلنة رسمياً، ومنها: الصرفند، الغازية، صيدا، البوار، العقيبة، جبيل، عمشيت، المنصف، سلعاتا، الهري، الميناء وطرابلس.

أما في الضبية، فإن اختيار الموقع كان يفترض أن يسبقه إعداد دراسات بيئية وفحوصات لجودة المياه والتأكد من صلاحية الشاطئ للسباحة، وهو ما لم يحصل، علماً أن هذا الشاطئ لم يكن يوماً مصنفاً أو معروفاً كمسبح شعبي، فضلاً عن كونه ملوثاً بالمياه المبتذلة.

ففي كتاب رسمي موجّه إلى رئاسة مجلس الوزراء، طلب وزير الأشغال العامة والنقل السابق محمد الصفدي السماح بوضع أكشاك موسمية على المسابح المجانية بهدف تغطية نفقات الإدارة والإنقاذ البحري والنظافة، على أن يتم ذلك ضمن شروط محددة ووفق حجم كل مسبح، ومن خلال الجمعيات الأهلية المتعاقدة مع الوزارة.

كما يُظهر قرار صادر عن مجلس الوزراء عام 2002 الموافقة على تنفيذ أعمال تأهيل وتجهيز المسابح العمومية والتعاقد بصورة موسمية مع جهات خاصة أو جمعيات لتأمين أعمال الإنقاذ البحري والمراقبة والنظافة العامة، بالتنسيق مع وزارة الأشغال والمديرية العامة للنقل البري والبحري، وليس مع البلديات التي لم يُنط بها مجلس الوزراء أي صلاحية لإدارة أو استثمار هذه المسابح بصورة مستقلة.

وبحسب مضمون القرارين، فإن أي كيوسك أو منشأة تُقام داخل إطار المسابح الشعبية يفترض أن تكون جزءاً من الخدمة العامة للمسبح وتحت إشراف الوزارة، لا أن تتحول إلى استثمار تجاري مستقل أو إلى وسيلة لوضع اليد على الأملاك البحرية العامة.

أما بلدية الضبية، فذهبت أبعد من ذلك، بعدما تحايلت على القانون واستغلّت الغطاء الممنوح من الوزارة لفرض أمر واقع على الشاطئ، عبر إنشاء كيوسك ملاصق للطريق العام وقرب الرصيف البحري، ليس لخدمة السابحين كما يُروَّج، بل تمهيداً لتحويله إلى نقطة استثمار تجارية مفتوحة لبيع المأكولات والمشروبات لمرتادي المنطقة والعابرين على الطريق البحرية، وهنا تكمن الفضيحة الكبرى.

فالمشروع، بحسب المعطيات، لا علاقة له بأي “مرفق شعبي” أو خدمة عامة، بل هو محاولة مكشوفة لوضع اليد على الأملاك البحرية وتحويلها إلى استثمار تجاري مقنّع، رغم وجود مجرور يصب في البحر مباشرة وفي منطقة غير صالحة للسباحة أساساً.

وتضع “ليبانون ديبايت” هذا الملف بعهدة محافظ جبل لبنان، مطالبة بالتحرك الفوري لوقف المخالفة والتحقيق في كيفية منح الترخيص، كما تضعه أيضاً بعهدة نواب المنطقة، خصوصاً أن ما يجري لا يتعلق بمخالفة بسيطة، بل باستباحة واضحة للأملاك البحرية العامة وللشاطئ اللبناني تحت غطاء رسمي.

فهل تتحرّك الجهات المعنية قبل تكريس أمر واقع جديد على الأملاك البحرية؟ أم أن “كيوسك المجرور” سيمرّ كما مرّت عشرات المخالفات قبله؟

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version