يدخل لبنان نفقاً اقتصادياً هو الأكثر عتمة في تاريخه الحديث. فالمشهد المالي لم يعد مجرد “أزمة تعافٍ متعثرة”، بل تحول إلى سباق مع الزمن لمنع الانهيار الشامل. وبينما يحاول مصرف لبنان اجتراح حلول نقدية بالحد الأدنى، تأتي تداعيات الحرب المستمرة لتغلق أبواب المخارج الممكنة، واضعةً البلاد أمام “مفترق طرق” وجودي: إما تسوية توقف النزيف، أو الانزلاق نحو صيف أسود يلتهم ما تبقى من مدخرات وطنية، وعلى رأسها “مخزون الذهب”.
تؤكد المعطيات أن الدورة الاقتصادية في لبنان باتت شبه مشلولة. فالحرب لم تكتفِ بتدمير البنى التحتية، بل عطلت الإنتاج في نحو ثلث المناطق اللبنانية التي تحولت إلى مناطق مواجهة أو نزوح. اليوم، تحول مئات الآلاف من المنتجين إلى نازحين، ما أدى إلى انكماش استهلاكي وتوقف شبه كامل للنشاط التجاري والصناعي في تلك المناطق.
هذا الواقع حوّل الدولة اللبنانية من كيان يحاول استعادة نموه إلى “دولة استهلاك” لا إنتاج فيها. وتتجلى المأساة في صرخة الهيئات السياحية التي تؤكد أن القطاع ينازع، وأن المؤسسات السياحية باتت عاجزة عن الاستمرار في ظل غياب الاستقرار وتراكم الأعباء، ما يهدد بإغلاق واسع للفنادق خلال الموسم المقبل.
في ظل تراجع إيرادات الدولة بشكل كبير، وشحّ تدفقات أموال الاغتراب، لاسيما من دول الخليج التي كانت تشكل الرافد الأساسي للسيولة، بدأت تخرج من كواليس مصرف لبنان أحاديث “مقلقة” تم تداولها منذ أشهر. الخيار الصعب الذي يلوح في الأفق هو “التصرف في احتياطي الذهب” أو استعماله كضمانة لتثبيت سعر صرف الليرة ومنع الانفجار الاجتماعي الكبير، في حال طال أمد الحرب وتوقفت المساعدات.
رغم أن المصرف المركزي يشدد على التزامه بالمادة 70 من قانون النقد والتسليف لصون سلامة النقد، إلا أن ضيق الخيارات يجعله بين فكي كماشة: فإما ترك العملة تنهار لمستويات غير مسبوقة، أو المسّ بالحصن الأخير للسيادة المالية اللبنانية.
على ضفة السلطة التنفيذية، لم يكن كلام وزير المالية ياسين جابر أقل وطأة. فقد اعترف بوضوح أن البلاد تواجه أزمة إنسانية ومالية هي الأشد. الحكومة اليوم تدير “أزمة بقاء” لا “دولة رفاه”، حيث تنحصر الأولويات في تأمين رواتب القطاع العام ودعم المستشفيات والإغاثة. لكن التحذير الأخطر يكمن في إشارة الوزير إلى عجز الوزارات عن القيام بمهامها الأساسية بسبب “شحّ الأموال” وتراجع الجباية، ما يعطل المرافق العامة ويجعل الدولة في حالة من الشلل شبه التام.
هذا الواقع المأساوي هو المحرك الفعلي خلف الكواليس للمضي قدماً في المفاوضات السياسية والعسكرية المتعلقة بالحرب. فالسلطة في لبنان تدرك تماماً أن الاستمرار في الحالة الراهنة لشهرين إضافيين يعني الاصطدام بجدار الانهيار الكامل قبل حلول الصيف. الرهان اليوم هو على اتفاق يوقف تدمير ما تبقى من بنية اقتصادية، ويعيد فتح باب “مال الاغتراب” والسياحة، وإلا فإن “الصيف الأسود” لن يكون مجرد استعارة، بل واقعاً معيشياً يتبخر فيه سعر الصرف وتضيع فيه هيبة الدولة المالية خلف “بريق الذهب” المستنزف.
لبنان اليوم في مرحلة “تسيير الانهيار” بانتظار معجزة سياسية. فالمصرف المركزي يقاتل باللحم الحي، ووزارة المالية تدير الفقر بمرارة، فيما الحرب تقضم الأخضر واليابس. إن لم يبادر لبنان إلى حل المسألة المرتبطة بالنزاع المسلح فوراً، فإن المعادلة القادمة ستكون قاسية: جوعٌ شامل أو التفريط بما تبقى من ذهب الأجيال.
