ما جرى في ساقية الجنزير لا يمكن وضعه في خانة الإشكال الأمني العابر، بل يندرج في سياق أخطر: تصدّع واضح في مفهوم الدولة، وتناقض فاضح بين القرار السياسي والتنفيذ الميداني، بلغ حدّ أن تُدين السلطة نفسها وهي تطبّق ما قرّرته.

الوقائع ثابتة: دورية من أمن الدولة نفّذت مداهمة في ساقية الجنزير بإشارة قضائية صادرة عن المدعي العام المالي ماهر شعيتو بحق المدعو أبو علي عيتاني، على خلفية تهرّب ضريبي، تحصيل أموال غير مشروعة، العمل من دون شركة، وعدم تسجيل الموظفين، ومخالفة قرارات إدارية. عيتاني كان قد أُبلغ بوجوب الحضور للتحقيق، إلا أنه ماطل، وأرسل محاميه بدلاً عنه، ثم تخلّف عن المثول مرتين، في تحدٍّ مباشر للإشارات القضائية، ما استدعى إصدار إشارة إحضار أصولاً، مثبتة بمحضر لدى القضاء.

المخالفات التي ارتكبها أبو علي عيتاني لم تكن إجرائية فقط، بل مالية أيضاً: تسعيرة مقطوعة وصلت إلى 200 دولار مقابل 5 أمبير، في تجاوز صارخ للتسعيرات الرسمية، ومتخطياً ضرورة التسعير وفق العداد.

عند تنفيذ المداهمة، تعرّضت دورية أمن الدولة لاعتداء مباشر، ما دفع عناصرها إلى إطلاق النار في الهواء لتفريق المعتدين وتأمين تنفيذ المهمة. هذه هي الوقائع الميدانية.

غير أن المشهد لم يتوقف هنا. رئيس الحكومة نواف سلام أصدر بياناً دان فيه ما وصفه بـ”العنف” الصادر عن عناصر أحد الأجهزة الأمنية، معتبراً أن ما جرى “تصرفات غير مقبولة أياً كانت الأسباب أو الذرائع”، ومعلناً إعطاء أوامر بإجراء تحقيقات فورية واتخاذ تدابير مسلكية وقضائية بحق المرتكبين، داعياً المواطنين إلى ضبط النفس.

هنا يبرز التناقض الجوهري.

فإذا كانت الأجهزة الأمنية لا يُسمح لها باستخدام القوة لتنفيذ إشارة قضائية، فكيف تُنفَّذ هذه الإشارات؟ وهل المطلوب من الدوريات الانسحاب عند أول اعتراض وترك المطلوبين؟ وهل تتحول الدولة إلى جهة تُصدر القرارات من دون القدرة على فرضها؟ وهل نستعين بـ”أبو ملحم” لتوقيف المطلوبين؟

الأخطر أن هذا الموقف يأتي من رئيس الحكومة نفسه الذي أطلق حملة ضبط مخالفات المولدات، وتحديداً الالتزام بالتسعيرة الرسمية وتركيب العدادات، ووقّع التعميم رقم 31/2025، الذي يفرض اتخاذ إجراءات قانونية صارمة بحق المخالفين من أصحاب المولدات، تشمل تنظيم محاضر ضبط، حجز المولدات، مصادرتها عند الاقتضاء، وإحالة أصحابها إلى القضاء، بعد منحهم مهلة 45 يوماً لتسوية أوضاعهم.

هذا التعميم لم يكن حبراً على ورق. فقد نفّذ جهاز أمن الدولة بموجبه سلسلة مداهمات في مناطق عدة، شملت بربور، الحدث، الحازمية، بشامون، عرمون، الأوزاعي، الكولا، والخارجية. وتم تنظيم ما لا يقل عن 8 محاضر ضبط بحق مولدات مخالفة، ومصادرة معدات، من بينها كمبيوترات استُخدمت لتزوير الفواتير في منطقة الكولا عند أحد المشغّلين.

كل هذه العمليات جرت من دون تسجيل إشكالات تُذكر، وكانت نتائجها تُرفع يومياً إلى رئاسة الحكومة، مع تفاصيل المخالفات والإجراءات المتخذة.

ما يطرح سؤالاً مباشراً: لماذا تصبح المداهمة في ساقية الجنزير تحديداً موضع إدانة، فيما العمليات نفسها في مناطق أخرى اعتُبرت تطبيقاً مشروعاً للقانون؟

هل تختلف معايير تنفيذ القانون من منطقة إلى أخرى؟ وهل يُقاس استخدام القوة بميزان سياسي أو طائفي؟ أم أن الدولة نفسها وقعت في ازدواجية خطيرة: تأمر بالتنفيذ، ثم تدين المنفّذ؟

ما جرى في ساقية الجنزير يكشف خللاً بنيوياً: قرار سياسي يدعو إلى تطبيق القانون بكل صرامة، يقابله تراجع عند أول احتكاك ميداني. وهذا التراجع لا يضعف الأجهزة الأمنية فحسب، بل يوجّه رسالة واضحة إلى المخالفين: الاعتراض ينجح، والضغط يُسقط التنفيذ.

والمفارقة الأكبر أن الحكومة نفسها، حكومة نواف سلام، كانت قد رفعت شعار “بيروت منزوعة السلاح”. فكيف يمكن الحديث عن عاصمة منزوعة السلاح، فيما الدولة عاجزة حتى عن ضبط مخالفات واضحة كالمولدات الكهربائية؟ إذا كانت لا تقدر على فرض تسعيرة رسمية، ولا على توقيف مخالف بإشارة قضائية، فكيف ستتعاطى مع ملف السلاح؟

هل منطق الأمور يقول إن من يعجز عن ضبط أصحاب المولدات قادر على مواجهة أصحاب السلاح؟ أم أن ما يُطرح لا يتجاوز حدود الشعارات؟

في المحصلة، المسألة لم تعد مرتبطة بمداهمة أو حادثة محددة، بل بسؤال أساسي: هل الدولة قادرة على حماية قرارات قضائها وأجهزتها، أم أنها تتراجع أمام الشارع وتُعيد تعريف القانون وفق ميزان القوة؟

ما حصل ليس تفصيلاً. هو اختبار سقطت فيه الدولة، أو على الأقل أظهرت فيه هشاشتها. وعندما تُدان الأجهزة الأمنية أثناء تنفيذها إشارة قضائية، يصبح السؤال مشروعاً: من يحكم فعلياً، القانون أم الشارع؟

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version