خاص موقع Jnews Lebanon

لم تكن نيران الابتهاج التي انهمرت فوق رؤوس اللبنانيين ليل أمس سوى محاولة يائسة لترميم “صورة” تهشمت تحت جنازير الدبابات التي لا تزال تتجول في 500 كيلومتر مربع من أرض الجنوب، فرفع الأعلام فوق الأنقاض والصدح بأناشيد “النصر” لا يمكن أن يحجب الحقيقة المرة التي تزحف على الأرض، وهي أن لبنان لم يخرج من هذه الحرب بـ “عزّة”، بل خرج بمذكرة تفاهم هي في جوهرها “صكّ إذعان” كُتب بلغة القوة في واشنطن ونُفذ بآلة القتل الإسرائيلية.

 

إننا في نسأل بكل وضوح: كيف يُصرف هذا “الانتصار” في جيوب اللبنانيين وفي مستقبل أبنائهم؟ هل يُصرف بـ 2300 شهيد وآلاف الجرحى الذين فقدوا أطرافهم في حرب “إسناد” لم تسند غزة ولم تحمِ لبنان، أم يُصرف بمليون نازح عادوا اليوم بقلوب محطمة ليجدوا قرىً كاملة سُويت بالأرض، وجسوراً مقطوعة – آخرها جسر القاسمية – وكأنها رسالة إسرائيلية أخيرة بأن “وصل ما انقطع” مع الدولة بات معلقاً بموافقة المحتل؟ إنها “هزيمة مدوية” بامتياز، ترفض لغة “الخشب” تجميلها، فقد تحولت “وحدة الساحات” إلى “وحدة الخراب”، وانتهى زمن المزايدات لتبدأ مرحلة “مذكرة الذل” التي تمنح العدو شرعية التدخل العسكري المباشر عند أي “تحرك” للحزب، وتنزع من لبنان سيادته على قراره الأمني تحت مسمى “حق الدفاع عن النفس” للإسرائيلي.

 

وبينما كان البعض في الضاحية يطلق رصاص “النصر”، كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يضع اللمسات الأخيرة على “مقايضة” كبرى مع طهران، فما جرى في كواليس واشنطن من نقل لليورانيوم المخصب وفتح مضيق هرمز يثبت أن إيران لم ترَ في لبنان يوماً سوى “رهينة” تفاوض بها لتحسين شروط نظامها، لقد باع “الولي الفقيه” حليفه في بيروت مقابل “نفسٍ ديبلوماسي” في البيت الأبيض، تاركاً لبنان يواجه مصيره وحده أمام شروط نتنياهو القاسية. إن الخطاب اللاعقلاني الذي يحاول تصوير “الانكسار” كأنه طريق إلى القدس هو استخفاف بعقول اللبنانيين ووجع المهجرين، فالحقيقة هي أن زمن “الدويلة” التي تقرر مصير شعبٍ بأكمله قد ترهل، واليوم عاد القرار إلى قصر بعبدا وإلى المؤسسات الشرعية التي انتزعت – رغم كل شيء – هدنة العشرة أيام لتعطي فرصة للحياة. مبروك لحزب الله “انتصاره” الذي احتفل به فوق أنقاض بنت جبيل والخيام، نحن، ومعنا أغلبية اللبنانيين، شبعنا من هذه الانتصارات التي لا تجلب سوى الموت والدمار، نحن نريد انتصار “الدولة”، انتصار الجيش الذي يحمي الحدود وحده، وانتصار الديبلوماسية التي تضع مصلحة بيروت قبل مصلحة طهران، فكفى بطولات وهمية لأن لبنان اليوم يحتاج إلى الحقيقة، والحقيقة هي أننا في بداية نفق مظلم، والخروج منه لن يكون إلا بالاعتراف بالواقع لتبدأ رحلة البناء الحقيقي على أسس السيادة، لا على ركام الأوهام.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version