في وقت تتجه فيه الأنظار إلى وقف إطلاق النار واحتمالات تثبيته، تكشف قراءة إسرائيلية عن فجوة عميقة بين ما أُعلن عن “هزيمة” حزب الله وما يجري فعليًا على الأرض، وسط تحذيرات من أن التنظيم أعاد ترميم قدراته تدريجيًا، وأن الأزمة الحقيقية باتت أزمة ثقة داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.

وبحسب تقرير للصحافي إيتام ألمادون في مجلة N12، فإن حزب الله لم يخرج من المواجهة كما صُوّر للرأي العام، بل تمكن خلال الفترة التي تلت عملية “سهام الشمال” من إعادة تنظيم صفوفه واستعادة جزء من قوته، مستفيدًا من فترات الهدوء النسبي.

رئيس مجلس مستوطنة المطلة، دافيد أزولاي، عبّر بوضوح عن هذا التباين، قائلاً: “باعوا لنا أوهامًا”، معتبرًا أن الصورة التي قُدمت للجمهور حول انهيار حزب الله لم تعكس الواقع. وأكد أن التنظيم تلقى ضربات قاسية، لكنه “لم يعد كما كان، لكن هذا ببساطة غير كافٍ”.

ورغم عودة نحو 60% من سكان الشمال إلى منازلهم، لا يزال أزولاي يدعو إلى الحذر وتقليص الحركة، في ظل استمرار المخاطر. كما انتقد وقف إطلاق النار الذي أُعلن بضغط أميركي، محذرًا من تكرار “أخطاء سابقة”، على حد تعبيره.

التقرير يعيد التذكير بأن إسرائيل أعلنت سابقًا تدمير نحو 70% إلى 80% من قدرات حزب الله الصاروخية، إلا أن المعطيات اللاحقة أظهرت أن التنظيم احتفظ بعشرات آلاف الصواريخ. ويشرح خبراء أن تدمير ثلثي الترسانة، التي كانت تُقدّر بـ150 ألف إلى 180 ألف صاروخ، يعني بقاء نحو 60 ألف صاروخ، وهو رقم كافٍ لمواصلة إطلاق النار لفترات طويلة.

في هذا السياق، يؤكد خبراء أن الفجوة لم تكن بالضرورة في المعلومات الاستخباراتية، بل في كيفية تقديمها للجمهور. إذ يشير البروفيسور إيال زيسر إلى أن “المشكلة لم تكن في نقص المعطيات، بل في الرغبة بتقديم صورة انتصار غير دقيقة”.

كما يلفت التقرير إلى أن حزب الله لم يتوقف عن إعادة بناء قدراته، بل واصل التسلح بدعم مباشر من إيران، التي أرسلت نحو 100 ضابط إلى لبنان بعد وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024 للإشراف على إعادة التنظيم والتدريب.

ميدانيًا، تغيّرت طبيعة أداء الحزب، حيث انتقل من خطط هجومية واسعة النطاق إلى نمط حرب استنزاف، عبر إطلاق يومي لعشرات الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه شمال إسرائيل، مع اعتماد أكبر على تكتيكات حرب العصابات والخلايا المتنقلة.

سياسيًا، يقر التقرير بأن قوة حزب الله داخل لبنان لا تزال تشكل عامل ردع يمنع أي مواجهة داخلية ضده، في ظل تفوقه العسكري مقارنة بالجيش اللبناني، ما يجعل خيار تفكيكه داخليًا غير واقعي في المدى المنظور.

وفي موازاة ذلك، تتجه مقاربات أميركية نحو محاصرة الحزب سياسيًا، عبر دفع مسار تفاوضي بين لبنان وإسرائيل، في محاولة لتقليص هامش حركته تدريجيًا، بدل الاكتفاء بالخيار العسكري.

في الخلاصة، تكشف هذه القراءة الإسرائيلية أن المعركة مع حزب الله لم تُحسم، وأن ما جرى لم يكن سوى جولة ضمن صراع طويل، حيث يتداخل العسكري بالسياسي، فيما يبقى لبنان في قلب هذا الاشتباك المفتوح، بين ضغوط الخارج وتعقيدات الداخل.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version