بين ضغوط مالية داخلية ومحاولات استهداف عسكرية خارجية، تقف جمعية “القرض الحسن” في قلب واحدة من أكثر المعارك حساسية في لبنان. فالمؤسسة التي تحولت خلال عقود إلى شبكة مالية واسعة يعتمد عليها حزب الله، وجدت نفسها في الوقت نفسه تحت مجهر الدولة اللبنانية التي تسعى للتضييق على الحزب مالياً، وفي مرمى الضربات الإسرائيلية التي ترى فيها العمود الفقري لاقتصاده.
تحولت جمعية “القرض الحسن” في لبنان إلى محور مواجهة متعددة الأبعاد، تجمع بين الضغوط المالية الداخلية والاستهداف العسكري الإسرائيلي، في وقت تُعد فيه المؤسسة إحدى أبرز الركائز الاقتصادية المرتبطة بحزب الله.
وبحسب تقارير نشرتها الصحافة الإسرائيلية، بينها تقرير للصحافي نيتسان شابيرا في موقع “N12″، فإن سلاح الجو الإسرائيلي استهدف خلال الأيام الأخيرة نحو 30 فرعاً تابعاً للجمعية في مناطق مختلفة من لبنان، في إطار ما تصفه إسرائيل بمحاولة ضرب “العمود الفقري المالي” للحزب وتجفيف مصادر تمويله.
وتأسست جمعية “القرض الحسن” عام 1981، وتقدم نفسها كمؤسسة اجتماعية تمنح قروضاً وتستقبل ودائع من المواطنين، إلا أن التقارير الإسرائيلية تقول إنها تطورت على مدى أكثر من أربعة عقود لتصبح منظومة مالية موازية للنظام المصرفي اللبناني يعتمد عليها حزب الله في إدارة جزء كبير من نشاطه المالي.
وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن الجمعية تدير أصولاً تتجاوز ثلاثة مليارات دولار، وتقدم خدمات لنحو 300 ألف لبناني، في نظام مالي يعتمد أساساً على التعاملات النقدية، حيث يودع المواطنون أموالاً بالدولار أو الذهب مقابل قروض نقدية، ما يقلل من إمكانية تتبع العمليات المالية عبر النظام المصرفي التقليدي.
وفي المقابل، كانت هذه المؤسسة أيضاً موضع جدل داخل لبنان نفسه. ففي تموز 2025 أصدر مصرف لبنان تعميماً يقضي بحظر التعامل مع كيانات مالية غير مرخصة، في خطوة استهدفت عملياً مؤسسات من بينها “القرض الحسن”، وذلك في سياق التضييق على حزب الله وما يُعرف بـ”اقتصاد الكاش” الذي يقع خارج الرقابة الرسمية ويستخدم لتمويل جمعيات تفرض الخزانة الأميركية عليها عقوبات.
ويرى خبراء أن القرار يحمل أيضاً أبعاداً سياسية، إذ يأتي في ظل ضغوط دولية على لبنان لتعزيز الرقابة المالية ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، خصوصاً في إطار سعي البلاد للخروج من “اللائحة الرمادية” لمجموعة العمل المالي الدولية.
وفي موازاة الضغوط المالية، باتت الجمعية هدفاً مباشراً للضربات الإسرائيلية التي تعتبرها جزءاً من البنية الاقتصادية الداعمة لحزب الله. وتقول التقارير الإسرائيلية إن هذه الشبكة تسهم في دفع رواتب عناصر الحزب وتمويل خدمات اجتماعية وصحية وتعليمية، إضافة إلى المساعدة في إعادة إعمار المنازل المتضررة بعد المواجهات العسكرية.
وبذلك تقف “القرض الحسن” اليوم في قلب صراع مركب، بين محاولات تنظيم القطاع المالي داخل لبنان، وبين استراتيجية إسرائيلية أوسع تستهدف البنية الاقتصادية التي يعتمد عليها حزب الله في ترسيخ نفوذه داخل المجتمع اللبناني.
