كتبت جويس الحويس في موقع JNews Lebanon

 

 

بينما تنشغل الساحة اللبنانية بإحصاء الغارات ورصد حركة النزوح، تشير المعطيات الخاصة التي تقاطعت لدى “JNews Lebanon” إلى أننا دخلنا مرحلة “تفكيك الأقفال” الدبلوماسية التي حمت لبنان لعقود.

 

فالمشهد الذي بدأ يسيل من أروقة واشنطن وصولاً إلى ضاحية بيروت الجنوبية، يوحي بأن هناك قراراً دولياً كبيراً بتجاوز “الوسيط اللبناني التقليدي” والانتقال إلى مواجهة مباشرة مع الهيكل العسكري للحزب، وهو ما تجلى بوضوح في السقوط المريب للمبادرة الفرنسية قبل أن يجف حبرها، بعدما اصطدمت بـ “فيتو” أميركي أحال الملف كاملاً إلى الميدان الإسرائيلي، معطياً الضوء الأخضر لتحويل “البروفات” العسكرية إلى واقع يومي يفرضه الناطق باسم جيش الاحتلال كشرطي سير يحدد مسارات اللبنانيين وهويتهم المكانية.

 

فخ “التفويض” ومحاولات تقليم الأظافر السياسية

هذا التحول الدراماتيكي لم يقف عند حدود القصف، بل تمدد ليضرب “عصب التفويض” الذي كان يمنحه حزب الله للرئيس نبيه بري كـ “رئة دبلوماسية” وحيدة؛ إذ تكشف مصادر “JNews Lebanon” عن بروز توجه دولي متطرف يطالب بنزع هذا الغطاء السياسي، والدفع نحو مفاوضات ميدانية مستحيلة مع قيادة عسكرية معزولة أمنياً، ما يعني عملياً تجريد الحزب من شرعيته اللبنانية وتحويله إلى “هدف عسكري صرف” في نظر المجتمع الدولي.

 

وتتزامن هذه العزلة السياسية مع ضغط اجتماعي هائل أنتجته “سيكولوجية الإخلاء” في الضاحية، حيث تحاول إسرائيل استثمار حالة النزوح الجماعي في شهر رمضان لخلق اصطدام بنيوي بين البيئات اللبنانية، محولةً التضامن الإنساني إلى فتنة متنقلة تهدف إلى تآكل السلم الأهلي من الداخل، تمهيداً لفرض واقع جغرافي جديد لا مكان فيه لأنصاف الحلول.

 

النبي شيت وبروفا “العمق المكشوف”

وعلى الضفة الميدانية، لم تكن عملية الإنزال الإسرائيلي في “النبي شيت” مجرد محاولة للبحث عن رفات الطيار “رون أراد” كما رُوج، بل تقرأها مصادر “JNews Lebanon” كعملية “جس نبض” لمدى ترابط الخطوط الخلفية في البقاع مع الجبهة الأمامية، خاصة بعدما أظهر الحزب “انفصالاً” في التوقيت بين تصعيده الصاروخي الأخير وبين المساعي الدبلوماسية للدولة.

 

هذا التضارب بين “غرفة العمليات” العسكرية و”غرفة السياسة” اللبنانية، أضعف هيبة المؤسسات الرسمية التي كانت تحاول تكريس سيطرة الجيش على جنوب الليطاني، مما شرّع الأبواب أمام خيارات عسكرية واسعة تتجاوز “قواعد الاشتباك” التقليدية، لتضع لبنان أمام هندسة جيوسياسية جديدة تُكتب فصولها تحت القصف، بعيداً عن طاولة المفاوضات التي يبدو أنها طُويت إلى أجل غير مسمى.

 

مخاض “لبنان الجديد” بين الاستنزاف والارتهان

تأسيساً على ما تقدّم، يبدو أن لبنان لم يعد يواجه مجرد عدوان عسكري تقني، بل هو في خضم عملية “إعادة صياغة” قسرية لدوره وموقعه الجيوسياسي. إن الانتقال من مرحلة “المبادرات” إلى مرحلة “فرض الوقائع” يعكس رغبة دولية في إنهاء ظاهرة “الساحات المتداخلة” التي مثّلها لبنان لعقود.

الحقيقة القاسية التي تتبلور خلف دخان الغارات، هي أن الداخل اللبناني بات مكشوفاً أمام استراتيجية “التفكيك الهيكلي”؛ حيث يُراد للنزوح أن يتحول إلى ضغط سياسي، وللعمليات النوعية في البقاع أن تتحول إلى رسائل عجز ميداني. وفي ظل غياب “مايسترو” وطني قادر على ضبط الإيقاع بين طموحات الميدان وواقعية السياسة، يبقى لبنان معلقاً على حافة الهاوية: فإما الانزلاق نحو مواجهة شاملة تُعيد رسم الخرائط بالدم، أو الرضوخ لترتيبات إقليمية كبرى تُلغي خصوصية “السيادة” لصالح “الأمن” المفروض من الخارج.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version