كتب حسين خليفة في ليبانون24:
لم يعد الواقع اللبناني يحتمل مقاربات مجتزأة أو حلولاً ظرفية تُسوَّق على أنها إصلاحات. فالبلد يعيش انهياراً مركّباً، اقتصادياً واجتماعياً ومؤسساتياً، انعكس مباشرة على حياة المواطنين ومعيشتهم وأمنهم اليومي. ومع تراكم السياسات الفاشلة والوعود المؤجّلة، تراجعت ثقة اللبنانيين بدولتهم إلى مستويات غير مسبوقة، في ظل غياب أي مسار واضح للإنقاذ أو إعادة بناء العقد الاجتماعي بين الدولة ومواطنيها.
هذا الانهيار لم يعد محصوراً بفئات محددة، بل تمدّد ليشمل مختلف الشرائح الاجتماعية، ما بدّل أولويات الناس من السعي لتحسين شروط الحياة إلى القلق على أساسيات البقاء. وفي ظل غياب شبكة أمان اجتماعي فاعلة، باتت الدولة في نظر كثيرين عاجزة عن أداء دورها الأساسي، بل تحوّلت في بعض الأحيان إلى عامل ضغط إضافي على حياة المواطنين اليومية.

في هذا السياق، تعود القرارات المالية والضريبية إلى واجهة النقاش، وسط اعتراضات متزايدة على مقاربة الأزمة من زاوية مالية ضيقة. ووفق مصادر مطّلعة، فإن المشكلة لا تكمن في مبدأ الضرائب بحد ذاته، إذ تُعدّ هذه الأداة جزءًا طبيعياً من عمل أي دولة، بل في فرض أعباء إضافية على مجتمع يعاني أصلاً من تآكل مداخيله وغياب حقوقه الأساسية.

وتشير المصادر إلى أنّ اللبنانيين، بمختلف فئاتهم، من عسكريين وموظفين وأساتذة وعمال، يعيشون حالة قلق دائم من الغد، في ظل فقدان أي ضمانات فعلية تتعلق بالطبابة، أو الضمان الاجتماعي، أو ضمان الشيخوخة، أو حتى الاستقرار الوظيفي. وترى هذه المصادر أنّ تحميل المواطنين كلفة الانهيار، من دون تأمين الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية، يعمّق الفجوة القائمة بدل معالجتها.

وفي المقابل، لا يمكن فصل هذه السياسات عن المسؤولية السياسية الجماعية للسلطة التنفيذية، إذ إنّ تمرير القرارات تمّ عملياً داخل مجلس الوزراء من دون أي كسر حقيقي للمسار المعتمد. فالاكتفاء بتسجيل اعتراض أو تحفّظ شكلي، من دون تحويله إلى موقف سياسي ضاغط أو مسار بديل، لا يغيّر في جوهر الشراكة بالقرار ولا في نتائجه على الناس. وتشير المصادر الى أنّ المواقف التي ظهرت لاحقاً لا تُسقط المسؤولية عن أصحابها، ولا تقلّل من حجم تبعات قرار أُقِرّ بالكامل، مشدّدة على أنّ المسؤولية في هذا النوع من الملفات لا تتجزّأ ولا تُدار بالخطاب الشعبوي.
وفي هذا الإطار، تحذّر المصادر من أنّ أي تحركات شعبية أو احتجاجات مقبلة لا يمكن فصلها عن سنوات طويلة من الإحباط وتراكم الخيبات، مؤكدةً في الوقت نفسه أنّ التعامل مع الشارع بوصفه مصدر تهديد يشكّل قراءة معكوسة للواقع. غير أنّ المصادر نفسها تلفت إلى خطورة ترك أي حراك مطلبي من دون ضوابط واضحة، في ظل هشاشة الوضع الداخلي، ما قد يفتح الباب أمام محاولات اختراق أو توظيف سياسي من شأنها ضرب الاستقرار وإشعال توترات لا يتحمّلها البلد في هذه المرحلة.

وتختم المصادر بالإشارة إلى أنّ المرحلة الحالية لا تزال تتيح خيارات بديلة، في ظل ما يحظى به العهد الرئاسي من احتضان عربي ودولي، وهو احتضان، بحسب هذه المصادر، يوفّر هامش حركة سياسي ومالي يسمح بفتح قنوات دعم واستثمارات مشروطة، وإطلاق مسار تفاوضي جدي مع الجهات الدولية المانحة، بدل اللجوء السريع إلى إجراءات تمسّ مباشرة الفئات الأكثر هشاشة. وتعتبر المصادر أنّ هذا المناخ الخارجي يشكّل فرصة لاستخدام أدوات إنقاذ مختلفة، تبدأ بإصلاحات بنيوية وتوزيع أكثر عدالة للأعباء، قبل التفكير بأي خطوات ضريبية جديدة، على أن أي مسار إنقاذي، مهما توفّرت له الظروف الخارجية، يبقى فاقداً لمضمونه ما لم يترجم داخلياً بخيارات تحمي المواطنين وتخفّف عنهم كلفة الانهيار، بدل تحميلهم مجدداً أثمان أزمات لم يكونوا سبباً في تفاقمها.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version