كتب عماد مرمل في الجمهورية:
على حين غرّة، باغتت الحكومة اللبنانيين بزيادة سعر صفيحة البنزين 300 الف ليرة ورفع الضريبة على القيمة المضافة 1 في المئة، الأمر الذي أحدث صدمة في الأوساط الشعبية، فيما سارعت القوى السياسية إلى مهاجمة القرار، علماً انّ غالبيتها ممثلة في الحكومة التي اتخذته.
على طريقة حسابات الدكنجي، قرّرت الحكومة تأمين التمويل لزيادة رواتب موظفي القطاع العام ومتقاعديه، عبر رفع سعر البنزين والضريبة على القيمة المضافة، من دون أن تكلّف نفسها عناء التفكير خارج الصندوق او حتى توسيع مروحة الخيارات داخله.
وهكذا، استسهلت الحكومة تجميع الأموال المطلوبة عبر «خط عسكري» يمرّ مباشرة في جيوب جميع المواطنين، من دون أن تميز بين فقير وغني، او بين متعثر ومقتدر، بل وضعت الجميع بمن فيهم أبناء الطبقة الشعبية الأضعف والأقل مناعةً، في مرمى نيران الضرائب العشوائية.
بناءً عليه، تكون الحكومة قد غامرت بإشعال ثقاب إجراءاتها المرتجلة قرب مادة سريعة الاشتعال هي البنزين، مستسهلة اللعب بالنار ومحاولةً وضع جزء من الفقراء في مواجهة جزء آخر، فتأخذ من بعضهم لتعطي البعض الآخر، وكأنّ إنصاف موظفي الدولة لا يتحقق الّا بظلم الآخرين من ذوي الدخل المحدود، في حين انّ هؤلاء جميعاً هم ضحايا لسياسات اقتصادية ومالية اعتمدتها الحكومات المتعاقبة وصولاً إلى الحالية.
ويؤكّد خبراء اقتصاديون، انّ قرار الحكومة بزيادة سعر البنزين والضريبة على القيمة المضافة، إنما يعكس خفة مخيفة، ولا يرتكز إلى أي مقاربة علمية او مسؤولة، لافتين إلى انّ الضرائب المعتمدة هي عقابية، لأنّها تساوي الأغنياء بالفقراء، وهي اعتباطية أيضاً لأنّها لم تستند إلى دراسة دقيقة للآثار التي سترتبها على الاقتصاد والمواطنين.
ويشير هؤلاء، إلى انّه كان ينبغي وضع خطة ضرائبية في أصل الموازنة انطلاقاً من رؤية اقتصادية ومالية متكاملة، بدل الذهاب إلى تدابير غير مدروسة وغير حكيمة، بحجة ضرورة التجاوب مع مطالب هي مشروعة، لكن ليس على هذا النحو يتمّ التعاطي معها.
وإذا كان قد تمّ تقديم حكومة نواف سلام عند تشكيلها على أساس انّها إصلاحية وتغييرية ولا تشبه من سبقها، وانّ رئيسها مختلف ويأتي من خارج النادي السياسي اللبناني التقليدي، الّا أنّ ما فعلته في «ليلة ما فيها ضو قمر»، أثبت أنّها لا تختلف عن سواها في نمط التفكير والسلوك، وانّ رئيسها تقليدي ونمطي جداً، إلى درجة انّه استنسخ تجارب سابقة في التعامل مع القضايا المطلبية، من دون أي ابتكار في الأفكار او تجديد في وسائل المعالجة.
والمفارقة، انّ الحكومة أقرّت بالجملة «التصعيد الضريبي»، بينما راحت مكوناتها تتبرأ بالمفرّق منه لاحقاً، الأمر الذي يطرح علامات استفهام حول القطبة المخفية التي تكمن خلف ما جرى، وكيف رُتب هذا الانقلاب على الأمن الاجتماعي للناس الذين كانوا ينتظرون بفارغ الصبر استعادة ودائعهم المخطوفة، فإذا بمداخيلهم المتواضعة تصبح أيضاً عرضة للاختطاف على حاجز رسمي.
واللافت، انّ مروحة رفض قرار زيادة الأعباء الضريبية على المواطنين اتسعت لتشمل حتى أولئك المصنّفين من «عظام الرقبة» بالنسبة إلى سلام، ومن بينهم نواب تغييريون عُرفوا بقربهم منه وشكّلوا رافعة له منذ دخوله إلى السراي الحكومي، لكنهم هذه المّرة لم يتمكنوا من هضم او تغطية الخيار الذي لجأ اليه لتمويل الإضافات على رواتب موظفي القطاع العام ومتقاعديه من جيوب الناس، خصوصاً انّ هؤلاء التغييريين يضعون في الحسبان احتمال إجراء الانتخابات النيابية في أيار المقبل او بعده بقليل إذا حصل تأجيل تقني، ما يستوجب منهم مسايرة المزاج الشعبي.
وفي حين سرت الزيادة على سعر البنزين تلقائياً كونها أتت بقرار حكومي، يتطلّب رفع الضريبة على القيمة المضافة من 11 إلى 12 في المئة تشريعاً قانونياً لكي يصبح نافذاً، ما يدفع إلى التساؤل عن إمكان إمرار قانون من هذا النوع في المجلس، خصوصاً انّ كثيرين من النواب قد يكون لهم رأي آخر، ربطاً بضغط قواعدهم الشعبية والحسابات الانتخابية التي ستفرض نفسها عليهم، تحسباً لاحتمال إجراء الاستحقاق الديموقراطي في موعده.
يبقى انتظار ردّ فعل الشارع على الصدمة الضريبية، فهل سيبتلعها كما كان يفعل قبل 17 تشرين الشهير؟ أم انّ التحركات الرمزية التي حصلت أمس هي رسالة تحذيرية لمن يهمّه الأمر؟
