كتب أنطون الفتى في أخبار اليوم
تغرق الشوارع اللبنانية بالمحتجّين، وببعض مظاهر قطع الطُّرُق، عند أي استحقاق معيشي داهم، أو عند اتخاذ الحكومات اللبنانية قرارات بزيادة الضرائب، أو بأمور تزيد الأعباء على الناس. وهذا أكثر من حقّ مشروع.
ولكن أما آن أوان البحث عن وسائل أخرى أكثر فاعلية، بعدما أثبتت التجارب السابقة أن الشارع اللبناني لم يحقّق أي نتيجة ملموسة للناس؟ وبعدما تحوّل أكثر من مرة الى سلاح مُعاكس تستعمله السلطات ضد شعبها بإسم فرض الأمن والقانون والحفاظ على المؤسسات والسّلم الأهلي؟
ففي دول عدة من المنطقة والعالم، انتقلت الشعوب في أكثر من مرة من الاحتجاج الميداني الى وسائل أخرى، قد تكون مؤلِمَة وفعّالة أكثر في بعض الأحيان، منها مثلاً حملات مقاطعة شعبية لسلع ترتفع أسعارها، تنطلق وتُوجَّه من على بعض مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما أدى الى انخفاض أسعارها بالفعل، والى “تأديب” التجار والجهات الحكومية والرسمية الفاعِلَة، على حدّ سواء.
فهل تبدأ حملة لمقاطعة استهلاك البنزين في لبنان مثلاً، بعد القرار الحكومي أمس بزيادة 300 ألف ليرة لبنانية على صفيحة البنزين لتأمين زيادات مالية للقطاع العام؟ وهل يمكن للّبنانيين أن يتحلّوا بالصبر اللازم لإنجاح مثل هذا النوع من الحملات؟
أوضح الكاتب والمحلّل السياسي علي الأمين أن “الاحتجاجات المعيشية الشعبية قد تحصل في أي بلد، مع إقفال شوارع ربما، ولكن تحت قيادة نقابات جدية وفعّالة. وأما في لبنان، فلا وجود لنقابات مستقلّة خارج سلطة الزعامات السياسية”.
ونبّه في حديث لوكالة “أخبار اليوم” الى أن “الاحتجاجات الشعبية تقودها النقابات في العادة، التي يجب أن تفاوض الحكومة، وتضغط، وتحرّك الشارع. فتحريك الشارع مهمّ في هذا الإطار من دون فوضى، وبشكل منظّم وحضاري، وبوجود من يتكلّم بإسم المحتجّين. ولكن النقابات في لبنان مُصادَرَة عملياً، ولا نقابة مستقلّة وجدية بالمعنى الفعلي، لتمثيل مصالح المنتسبين إليها والعمال والطبقة الاجتماعية المُحتاجَة لمن يدافع عنها. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية في لبنان، وليست بالتحرك في الشارع. وهذا سبب أساسي أيضاً في أن حركة الشارع ليست منظّمة بشكل عام لدينا، وفي أنه يمكن خرقها من جانب أحزاب معينة مثلاً، لتحقيق أهداف لا يطلبها العمال، بل تكون غاياتها سياسية”.
ولفت الأمين الى أنه “بعد انقضاء مرحلة الحرب الأهلية، جرى تطويع كل النقابات العمالية في البلد، والإمساك بالإتحاد العمالي العام. وقد تحكموا به الى درجة أنه ما عاد في يد العمال. وأمام هذا الواقع، لا مجال لإحداث تغيير في لبنان، ولا حتى من خلال حملات مقاطعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إذ لا توجد جهة منظِّمَة فعلية وغير مُسيَّسَة. وبغياب النقابيين الفعليين الذين يمثّلون مصالح الناس والعمال والطبقة المتضررة، لا يُتوقَّع سوى استمرار الفوضى النقابية، واستغلال الاحتجاجات الشعبية لأسباب سياسية”.
وأضاف: “اللعبة السياسية في البلد هي المستفيد الأكبر من هذا الواقع، إذ إنها تستثمر وجع الناس في السياسة. وأمام هذا الواقع، من الممكن النظر الى القرار الحكومي الذي اتُّخِذ بالأمس بالنسبة الى الزيادات المرتبطة بالقطاع العام، ضمن أهداف البعض بالعمل ربما على إسقاط الحكومة، أو على إحداث صراع سياسي على طاولة مجلس الوزراء، أو ان أحداً يدفع باتّجاه تحركات تؤدي الى إضعاف الحكومة بشكل إضافي مثلاً. وهنا لا بدّ من النظر الى كل أنواع الحسابات، والجهات المستفيدة منها”.
وختم: “لا بدّ من مراقبة ما يمكن أن يحصل خلال المراحل اللاحقة، على مستوى الثمن السياسي بعيد المدى لتلك الزيادات. فكل الاحتمالات واردة في هذا الإطار، والحسابات السياسية تبقى الأهمّ في هذا الموضوع بالنسبة الى الزعامات السياسية”.
