كتب نايف سالم في اساس ميديا

لا يأتي قرار الكويت إدراج 8 مستشفيات لبنانيّة على قائمتها الخاصّة بمكافحة الإرهاب من خارج السياق. سبق لوزير داخليّتها الشيخ فهد اليوسف أن كان واضحاً بعد لقائه الرئيس اللبنانيّ في قصر بعبدا منتصف حزيران 2025: “كلّ الأمور التي تؤدّي إلى عدم استقرار في أيّ بلد خليجيّ سنواجهها.. ولن أسمح بأيّ تجاوز لأيّ حزب (يقصد “الحزب” اللبنانيّ) في الكويت”.

عندما قال اليوسف كلامه في بيروت لم يكن في سياق الردّ على أسئلة أحد الإعلاميّين عن بقاء أو إزالة “الحزب” عن قوائم الإرهاب الخليجيّة. كان يُعبّر عن موقف كويتيّ – خليجيّ حازم بعدم التساهل أو التغاضي عن أيّ نشاط أمنيّ أو ماليّ مشبوه.

المفاجأة بنظر كثيرين أنّ القرار الأخير بإدراج 8 مستشفيات على القائمة السوداء لم يأتِ من مجلس التعاون الخليجيّ أو من إحدى الدول التي عُرفت بتعاملها “الحازم” مع “الحزب”، وإنّما من الكويت التي تُعتبر من الدول الخليجيّة الأكثر هدوءاً في مُقاربة مثل هذه الملفّات. صحيح أنّها لا تخرج عن الإجماع الخليجيّ، لكنّ لها طريقتها الخاصّة في التنفيذ.

لماذا جاء القرار من الكويت هذه المرّة، وهل كان قراراً دوليّاً تُنفّذه الكويت بموجب التزاماتها، أم قراراً سياديّاً خاصّاً بها؟ وماذا يعني من الناحية العمليّة؟ وهل يمكن التراجع عنه لاحقاً؟

خلفيّات الإدراج

مع صدور القرار في 8 شباط 2026، تبيّن أنّ الجهة التي أصدرته هي “اللجنة الخاصّة لتنفيذ قرارات مجلس الأمن الصادرة بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتّحدة والمتعلّقة بمكافحة الإرهاب وتمويله ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل”.

تتبع هذه اللجنة لوزارة الخارجيّة ويتّسم عملها بالسرّيّة المطلقة، وهي مكوّنة من 13 جهة حكوميّة كويتيّة (الخارجيّة، العدل، وحدة التحرّيات الماليّة، البنك المركزيّ، وزارة الداخليّة، وزارة الدفاع، النيابة العامّة، الشؤون الاجتماعيّة، التجارة، الجمارك، هيئة أسواق المال، الطيران المدنيّ، وحدة تنظيم التأمين).

تكمن المعلومة المفصليّة في أنّ هذه اللجنة لا يقتصر عملها على تنفيذ قرارات مجلس الأمن، كما هو وارد في اسمها، وإنّما يُمكنها أن تقوم “من تلقاء نفسها أو استناداً إلى طلب من جهة أجنبيّة مختصّة أو جهة محليّة”، بإدراج أيّ شخص أو كيان يُشتبه بتورّطه بالإرهاب أو تمويله، وفق المادّة 12 من اللائحة التنفيذيّة لقانون إنشاء اللجنة، التي صدرت في 23 آذار 2025.

يعني ذلك بوضوح أنّ للإدراج 3 حالات:

1 – تنفيذ قرار من مجلس الأمن.
2 – طلب من جهة أجنبيّة مختصّة.
3 – قرار داخليّ.

القرار محلّيّ

على الرغم من ذهاب غالبيّة التحليلات باتّجاه أنّ الكويت تُنفّذ قراراً دوليّاً، يُظهر التدقيق بلوائح الإرهاب الأمميّة خلوّها من المستشفيات المعنيّة، وهي مستشفى الشيخ راغب حرب الجامعيّ – النبطية، مستشفى صلاح غندور – بنت جبيل، مستشفى الأمل – بعلبك، مستشفى سان جورج – الحدث، مستشفى دار الحكمة – بعلبك، مستشفى البتول – الهرمل، مستشفى الشفاء – خلدة، مستشفى الرسول الأعظم – طريق المطار، بيروت.

يعني ذلك على الأرجح أنّ القرار كويتيّ محلّيّ بمواكبة خليجيّة وليس دوليّاً. وعلى الرغم من التكتّم الشديد، ترجّح مصادر كويتيّة مطّلعة لـ”أساس” أن يكون القرار مرتبطاً بالتحقيقات الموسّعة الجارية في قضيّة شبكة التمويل الإرهابيّة التي أُعلنت قبل أشهر (راجع مقال “أساس” بتاريخ 21/10/2025 بعنوان “شبكة طبيّة لتمويل “الحزب” في الكويت؟”).

ورَدَ في البيان الرسميّ حينذاك أنّ الشبكة تنتمي إلى “حزب محظور يستهدف النيل من أمن دولة الكويت وزعزعة نظامها العامّ”، وأنّ التحرّيات “كشفت عن قيام المتّهمين بتهريب الأدوية والأموال إلى خارج البلاد، بغرض دعم وتمويل ذلك الحزب الإرهابيّ، وأسفرت عمليّات المتابعة والرصد الميدانيّ المكثّفة عن ضبط عدد من المتّهمين، والعثور على أدلّة ومضبوطات تؤكّد تورّطهم في أنشطة تمويليّة مشبوهة، إضافةً إلى تسهيل عمل إحدى الصيدليّات داخل مستشفى خاصّ في دولة الكويت لخدمة أغراض الحزب”.

قضيّة كبيرة

توضح المصادر أنّ التحقيقات القضائيّة المستمرّة منذ أسابيع طويلة، أسفرت عن سلسلة إجراءات بعضها ظهر للعلن وبعضها سيتّضح مع الوصول لمرحلة المحاكمة، مشيرة إلى أنّ إدراج المستشفيات الـ8 على “القائمة الوطنيّة” الكويتيّة هو الإجراء الثاني الذي ظهر، فيما تمثّل الأوّل بإدراج عدّة أشخاص على القائمة نفسها، بينهم لبنانيّ من مواليد 1962 كان يشغل منصباً كبيراً في “المستشفى الخاصّ” الذي ورد ذكره في البيان الرسميّ، وسبق له أن عمل في أحد المستشفيات الثمانية قبل عمله في الكويت، اعتباراً من 2011.

تلفت المصادر إلى أنّ هذه القضيّة كبيرة جدّاً ومعقّدة ومتشعّبة، ولم يظهر منها سوى رأس جبل الجليد، لأنّ الأمر لا يتعلّق بتمويل أو مساعدة، وإنّما يتعدّاه إلى غسل أموال والتفاف على العقوبات الدوليّة، مؤكّدة أنّ الحزم الذي أظهرته الكويت في هذا السياق مردّه إلى أنّ ما كان يجري هو “عبث بنظامها الماليّ واستهتار بقوانينها”.

تُشدّد المصادر على أنّ موقف الكويت الرسميّ تجاه لبنان لم يتغيّر، وهو واضح جليّ يتمثّل في دعم الاستقرار ومساندة الحكومة والعهد الجديد، شأنها في ذلك شأن باقي دول مجلس التعاون، لكنّ التعامل مع “الحزب” أصبح أكثر تشدّداً ولن يكون هناك تساهل أو غضّ نظر عن مثل هذه الأعمال، فالتاريخ حافل بتدخّلات “الحزب” السلبيّة في الكويت، منذ الثمانينيّات حتّى الآن.

لكنّ المصادر توضح في الوقت نفسه أنّ إدراج المستشفيات الذي تمّ بناء على المادّة 12 من القانون الخاصّ باللجنة، قابل للمراجعة بناء على المادّة 17 التي تنصّ على أن تقوم اللجنة الخاصّة بمراجعة قرار الإدراج “كلّ سنتين على الأقلّ لضمان استمرار وجود أسباب معقولة للاحتفاظ بالقرار لكلّ حالة، ما لم يستدعِ الأمر مراجعة قرار الإدراج قبل انتهاء فترة السنة”.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version