تحوّل اللقاء الذي جمع رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد في قصر بعبدا إلى “الحدث السياسي” بامتياز، ولا سيما أنّه حصل فجأة، ومن دون إعلانٍ مُسبَق، وفي توقيتٍ “ثقيل” إن صحّ التعبير، بعد مرحلة من التوتّر، ولو لم يتجاوز حدود المواجهة “الناعمة” بين بعبدا وحارة حريك، على خلفية مقاربة ملف “حصرية السلاح”، وصولاً إلى تعيين مدني ليرأس الوفد المفاوض إلى “الميكانيزم”.
بهذا المعنى، لا يمكن النظر إلى اللقاء بين عون ورعد بوصفه تفصيلاً بروتوكوليًا عابرًا، أو خطوة مجاملة متأخّرة، فهو يندرج في خانة “كسر الجليد” إلى حدّ بعيد، خصوصًا أنّ الأوساط السياسية كشفت في الأيام الماضية أنّ الحوار بين الجانبين “معلَّق” يصطدم بخطّين لا يلتقيان، علمًا أنّ التصريح الذي أدلى به رعد بعد الاجتماع كان لافتًا، فهو لم يذهب إلى “تطبيع كامل”، لكنه لم يذهب أيضًا إلى “اشتباك”، وهذا هو الأهمّ وفقًا للمتابعين.
على النقيض من ذلك، يمكن القول إنّ رعد صاغ معادلة جديدة تقوم على التوازن، بين الحرص على التفاهم، وإسناد الدولة “عند الاقتضاء”، ولكن قبل ذلك، التأكيد على تولّي الدولة “مسؤولية السيادة” وفق قوله، مع سلّم أولويات يبدأ بالاحتلال والأسرى ولا ينتهي بالنازحين والإعمار. هنا، تُطرح علامات استفهام حول خلفيات “المصارحة”، ولكن أيضًا دلالة التوقيت: لماذا الآن؟ وما الذي أراد كل طرف تثبيته، أو تجنّبه، قبل أن تتدحرج وقائع أكبر من القدرة على ضبطها؟
“لا قطيعة” بين بعبدا وحارة حريك
في الشكل، يوحي اللقاء بأن الطرفين قرّرا خفض منسوب القطيعة إلى الحد الأدنى، وفتح قناة تواصل مباشرة بدل إدارة الخلاف عبر الوسطاء والرسائل، وربما إعادة العلاقة إلى ما طبعها في بداية العهد، حين كان الحزب يحرص على التفاهم معه، لدرجة أنّه كان في محطّات كثيرة يهاجم رئيس الحكومة نواف سلام، بسبب حديثه عن “حصرية السلاح”، ويبدي الودّ للرئيس، ولو تحدّث عن الأمر نفسه، وهو ما حصل في جلسات حكومية عدّة.
لكن، أبعد من الشكل، وتحديدًا في الجوهر، لم يخرج اللقاء بما يدلّ على تسويةٍ كبرى بين “حزب الله” والرئاسة، أو أيّ تغيير في المواقف المعروفة لكلّ طرف، بقدر ما هو ربما “إدارة اختلاف”، وليس خلاف، تحت سقف منع الانفلات الداخلي، ولا سيما أن الخلفية التي راكمت البرودة لم تُرفع من جدول الأعمال، بل جرى تدويرها في لغةٍ أكثر قابلية للتعايش، وهو ما ظهر في كلام رعد، الذي لم يتبنّ “سرديّة” الدولة، ولم يتخلّ عن سردية المقاومة كما يراها الحزب.
وبين الشكل والمضمون، يمكن القول إنّ ما جرى محاولة لتثبيت معادلة قد لا يرفضها الجانبان، تقوم على الاعتراف “النظري” بدور الدولة، مقابل احتفاظ الحزب بحق “التقدير العملي”، وهو ما برز في قوله إنّ الحزب يساندها “عند الاقتضاء”. وتمامًا كتوازن هذه المعادلة، بدا أنّ اللقاء شكّل “مكسبًا” للطرفين، فبعبدا لا ترى في التوتر مع “حزب الله” فائدة، والحزب أيضًا يحتاج إلى تثبيت صورة “الشريك الداخلي” القابل للتفاهم، بما يتيح له احتواء أيّ إشكالات مستقبلية.
ما المُنتظَر من اللقاء؟
على أهمية شكل اللقاء ومضمونه، وهما يتقاطعان على مبدأ “كسر الجليد” المطلوب في السياسة، يتوقف كثيرون عند التوقيت، الذي يأتي على وقع ضغوطٍ متصاعدة داخليًا وخارجيًا، فإسرائيل تواصل التصعيد في الجنوب، من دون أن تكترث بكل الاعتراضات، ونار الإقليم تكاد تلتهب، على وقع قرع طبول الحرب مع إيران، ولو أنّها تترافق مع حديث عن “تفاوض” ممكن معها، لا تزال السلبيّة تطغى عليه حتى الآن.
هكذا، لا ينفصل توقيت اللقاء عن مناخ عام يضغط على لبنان من جهتين: جهةٍ داخلية تتصل بإعادة ترتيب التوازنات السياسية، وجهةٍ خارجية تتصل بارتفاع منسوب المخاطر الإقليمية وما يرافقها من ضغطٍ على الدولة اللبنانية في عناوين السيادة والسلاح. فإذا كان الحوار سابقًا “معلّقًا” ويصطدم بخطّين لا يلتقيان، فمعنى انعقاد اللقاء اليوم أنّ الطرفين خافا من بقاء التعليق مكلفًا، أو من تحوّله إلى قطيعة تنتج خسائر لا تُدار لاحقًا.
لكن، ما الذي يمكن أن ينتجه اللقاء عمليًا، وهل تقتصر ثماره على “إدارة الاختلاف” فعلاً؟ الأرجح أنّ النتائج تبقى “محدودة” بفتح “قناة” بين الجانبين، بعدما كان التواصل يتمّ “بالواسطة” مؤخرًا، وبالتالي فهو لا ينتج جوابًا نهائيًا عن سؤال السلاح، ولا يقفل فجوة الرؤية بين الدولة والحزب، ما يعني أنّ ما قد ينتجه لن يتجاوز على الأرجح، التفاهم على التواصل وتبريد السجالات، وربما التوصل إلى تفاهمات إجرائية في ملفات مثل إعادة الإعمار وعودة النازحين.
باختصار، فإنّ لقاء “كسر الجليد” بين الرئيس جوزاف عون والنائب محمد رعد هو إعلان عن فتح قناة تواصل تحت ضغط لحظة حساسة، أكثر مما هو إعلان تسوية أو نهاية خلاف، ولذلك فإنّ أهميته تكمن في توقيته ووظيفته.
هل يكفي ذلك؟ طبعًا لا، لكنه على الأقل خطوة أولى مشجّعة، أخذ منها كل طرف ما يناسبه، فبعبدا تريد دولةً تتحدث مع الجميع وتُمسك بإيقاع الداخل، والحزب يريد شراكة سياسية تمنع عزله وتؤمّن له هامش حركة. لكنّ الأهم يبقى استكماله وتطويره، وهنا التحدّي الأساسي!
