كتبت جوانا فرحات في المركزية:

بين نار الحرب التي يهدد بها حزب الله على لسان أمينه العام الشيخ نعيم قاسم وصفقة الكبار يقف لبنان كرهينة في انتظار ساعة الصفر. أمس الجمعة كانت أجواء الحرب في أوجها مع الإعلان عن انتهاء مرحلة انتشار القوات العسكرية في المنطقة وحشد المدمرات في مياه المتوسط وإلغاء شركات الطيران آلاف الحجوزات التي كانت مقررة نحو المنطقة ومنها المملكة العربية السعودية والإمارات. أما إسرائيل فأعلنت بلسان الكابينيت أنها على جهوزية تامة للبدء بعملياتها ضد إيران وحزب الله لكن بعد أن تطلق الولايات المتحدة الرصاصة الأولى . فهل دقت ساعة الصفر لإنهاء ما يسمى بالنظام الإيراني والتي على أساسها يضبط حزب الله عقارب تهديداته ويحدد سقفها؟وهل تكون رصاصة الرحمة على لبنان الدولة أم على حزب الله؟

مصادر مطلعة تؤكد ل”المركزية” أن “السؤال اليوم لم يعد إذا كان حزب الله يريد الحرب، بل لماذا يصرّ على إبقاء لبنان على حافتها. فسياسة اللعب على حافة الهاوية، التي يعتمدها الحزب منذ أشهر، لم تعد تكتيك ردع بقدر ما تحوّلت إلى مقامرة مفتوحة بمصير بلد منهك، عاجز، ومجرّد من أي قدرة على تحمّل صدمة جديدة”.

ففي الشكل، لا يمكن فصل لهجة قاسم العالية السقف عن السياق الإقليمي المتوتر، ولا عن طبيعة الخطاب التقليدي لحزب الله في مراحل الضغط والتصعيد، إذ لطالما استخدم الخطاب كأداة موازية للفعل الميداني، موجهاً رسائل متعددة الاتجاهات بدءا من الداخل اللبناني مروراً بإسرائيل، وصولا إلى القوى الإقليمية والدولية المعنية بالصراع.

لكن من حيث المضمون، لا يبدو أن كلام نعيم قاسم يشكّل إعلان نية مباشرة بالذهاب إلى حرب شاملة بقدر ما يعكس محاولة رفع منسوب الردع وتحسين شروط التفاوض غير المباشر.

في المقابل، لا يمكن تجاهل فرضية أن هذا التصعيد يأتي في إطار تناغم أوسع مع المحور الإقليمي الذي ينتمي إليه الحزب، حيث تُستخدم الجبهات المختلفة كأوراق ضغط متبادلة في صراع يتجاوز الحدود اللبنانية. وبناء عليه يصبح الخطاب أداة ضغط سياسية أكثر منه مقدمة حتمية لمواجهة عسكرية شاملة. كما أن توقيت التصريحات يحمل دلالات إضافية، إذ يأتي في لحظة إقليمية حساسة، ما يوحي بأن الهدف قد يكون تثبيت قواعد اشتباك جديدة أو منع خصوم الحزب من استثمار المتغيرات الدولية لصالحهم، لا الدفع غير المحسوب نحو حرب جديدة.

ونقلا عن المصادر، فإن الحزب يراهن على أرض متحركة ويعتبرأن التصعيد سيكون بلا ثمن، وأن إسرائيل لن تتمكن من تحقيق انتصارها بعدما انتهت الحرب وأعلن عن وقف إطلاق النار والذي على أساسه تم تشكيل لجنة الميكانيزم وجمدت أعمالها حالياً في انتظار الإعلان رسميا عن وفاتها. كذلك يراهن الحزب أن المجتمع الدولي سيتدخّل دائماً في اللحظة الأخيرة لمنع الانفجار، إلا ان هذا الرهان لا يستند إلى مصلحة لبنان، بل إلى حسابات إقليمية باردة، حيث يُختزل البلد إلى ورقة ضغط، وساحة اختبار، وخط تماس قابل للاشتعال متى دعت الحاجة”.

في المقابل، يراهن الحزب أيضاً على تسوية دولية – إقليمية قادمة، يكون جزءاً منها لا ضحيتها.وهذه التسوية إن حصلت فهي لن لا تُصاغ في بيروت ولا تراعي أولويات اللبنانيين، بل تُكتب وفق توازنات القوى الكبرى ومصالحها، وغالباً على حساب السيادة والقرار الوطني. وفي هذه التسوية المحتملة، يُخشى أن يُطلب من لبنان تقديم جملة تنازلات منها أمنية، وسياسية، وربما دستورية، مقابل تثبيت نفوذ الأمر الواقع ومنحه شرعية مُحدَّثة. وهنا يبرز السؤال البديهي من يتحمّل المسؤولية إذا انزلقت الأمور إلى ضربة عسكرية مدمّرة أو إلى صفقة تكرّس منطق الأمر الواقع؟

في حسابات الحزب، لا تبدو الحرب الشاملة هدفاً بحد ذاتها، لكنها تبقى أداة ضغط قصوى تُستخدم عند الضرورة. والرهان الأساسي يقوم على أن إسرائيل، ومعها القوى الدولية، لا تريد توسعة المواجهة، وأن أقصى ما يمكن أن تصل إليه الأمور هو ضربات محسوبة تُستثمر لاحقاً على طاولة التفاوض. بهذا المعنى، يغامر الحزب برفع سقف المخاطر، معتمداً على معادلة الردع، ولو كان ثمنها استنزاف الدولة اللبنانية وتهديد ما تبقى من استقرارها الهش.

في النتائج، تعتبر المصادر أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في احتمال ضربة عسكرية، بل في المرحلة التي تليها. وهي إن حصلت، قد لا تكون نهاية المواجهة بل مدخلاً لإعادة رسم قواعد اللعبة، حيث يُعاد إنتاج الأزمة اللبنانية بشروط أسوأ، فيما يُترك الداخل يواجه الخراب وحده تحت شعار “الانتصار” أو “الصمود”.

من هنا تجزم، أن “ما يفعله حزب الله اليوم هو مقامرة عالية الكلفة، قائمة على افتراض أن لبنان قادر دائماً على تحمّل الضربات، وأن المجتمع الدولي سيسارع في النهاية إلى إنقاذ الوضع خشية الانفجار الكبير. لكن هذا الرهان يتجاهل حقيقة أن لبنان استُنزف إلى حدّ لم يعد يسمح له بلعب دور ساحة الرسائل، ولا بدفع فواتير الآخرين”.

وتختم” لبنان اليوم لا يُدار كدولة، بل كملف مؤجَّل في أدراج الصراعات الإقليمية. وحزب الله، وبدل تحييد هذا البلد المنهك، يصرّ على ربط مصيره بمسارات لا يملك اللبنانيون أي تأثير عليها. وبين ضربة “عسكرية “مضبوطة” وتسوية دولية “معلّبة”، يبقى الداخل اللبناني هو الخاسر الأكبر لأن النهاية ستكون تحت العنوان التالي” لا نصر ولا استقرار”، بل انهيار وعزلة وأكثر ارتهاناً من أي وقت مضى.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version