كتبت نادين سلام في اللواء:
لا تزال الساحة اللبنانية تشهد ازدحامًا دبلوماسيًا وضغوطًا خارجية تدفع بالدولة اللبنانية باتجاه تنفيذ الإصلاحات المالية المطلوبة، وطيّ ملف حصرية السلاح بيد الشرعية بشكل نهائي. ويأتي ذلك في وقت تستمر فيه الاعتداءات الإسرائيلية، رغم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024.

في هذا السياق، نجح الجيش اللبناني في تنفيذ المرحلة الأولى من خطة نزع السلاح غير الشرعي التي قدّمها إلى الحكومة، بدءًا من جنوب الليطاني، تمهيدًا للانتقال إلى المرحلة الثانية شماله. وقد أثبتت المؤسسة العسكرية قدرتها على الإيفاء بالتزاماتها المحلية والدولية، مع الحفاظ الكامل على السلم الأهلي، لتكون بذلك عنصرًا أساسيًا في المشهد العام الذي يشهده لبنان، حيث تسعى الدولة إلى استعادة هيبتها، وتعود المؤسسات تدريجيًا إلى الانتظام، ولو بخطوات بطيئة، في ظل محاولة الإصلاح المالي والإداري فرض نفسه داخل بيئة يغلب عليها الفساد المزمن والمستشري، تمهيدًا لإعادة بناء الثقة المحلية والدولية بالدولة ومؤسساتها.

وعلى الرغم من قلة عديد الجيش وتواضع عتاده، فضلًا عن الظروف المالية القاسية التي يعانيها أفراده، تمكنت المؤسسة العسكرية من بسط سلطتها جنوب الليطاني، وتجنيب هذه المنطقة وأهلها مزيدًا من الجنون الإسرائيلي الذي لا يتوانى عن القتل والتدمير والتهجير. كما اعتمد الجيش مقاربة دقيقة لتحقيق أهدافه، من دون استفزاز أي طرف، ومن دون المسّ بالسلم الأهلي الهش، الذي غالبًا ما يُستخدم مادة للابتزاز السياسي في لبنان.

وفي اليومين الماضيين، اتجهت الأنظار إلى زيارة كل من الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان، والموفد الفرنسي جان إيف لودريان، والتي تمحورت حول التحضير لمؤتمر دعم الجيش اللبناني المقرر عقده مطلع آذار المقبل في فرنسا، بدعم أساسي من المملكة العربية السعودية. كما هدفت الزيارة إلى إعادة تفعيل لجنة «الميكانيزم»، في إطار دعم المؤسسة العسكرية في مهامها الشاقة، إذ من غير المنصف تحميلها مسؤوليات تفوق قدراتها قبل تأمين الدعم اللازم لها.

بالتوازي، أرسلت السلطات اللبنانية رسائل بالغة الأهمية إلى الداخل والخارج، جاءت منسجمة مع المتغيرات الدولية والإقليمية. فقد مضى رئيس الحكومة نواف سلام بإصرار في مسار الإصلاح المالي من خلال قانون الانتظام المالي الذي وقّعه رئيس الجمهورية. ورغم أن هذا القانون لن يرضي شريحة واسعة من اللبنانيين، نتيجة تضارب المصالح، إلا أنه يشكّل خطوة أولى قابلة للنقاش والتعديل، ويعكس تحمُّل الحكومة الحالية لمسؤولية معالجة الانهيار الذي تسبَّبت به حكومات سابقة تنصلت من المحاسبة.

كذلك، جاءت مقابلة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في الذكرى الأولى لتوليه الرئاسة برسائل واضحة، دعا فيها حزب الله صراحة إلى تغليب قوة المنطق على منطق القوة، في إشارة لا لبس فيها إلى خطورة استمرار السلاح خارج الشرعية على مستقبل لبنان وموقعه الدولي.
ويبقى التحدي الأكبر مرتبطًا بمدى تعقُّل حزب الله في حال قررت الولايات المتحدة توجيه ضربة لإيران، إذ إن أي مغامرة جديدة لن تجلب سوى الويلات على مناطق نفوذ الحزب وبيئته، فيما ستكون الارتدادات الاجتماعية والاقتصادية الكارثية على مستوى الوطن بأكمله، ما يعني عمليًا تسليم آخر أوراق التفاوض اللبنانية مجانًا لإسرائيل.
يقول ماكس ويبير، عالم الاجتماع الألماني الشهير،إن «الدولة هي الكيان الوحيد الذي يحتكر الاستخدام المشروع للقوة داخل حدودها.»

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version