في سابقةٍ موسيقية، نظم الكونسرفتوار الوطني سلسلة حفلات ميلادية أقيمت للمرة الأولى، وامتدت طيلة شهر كانون الأول، لتنطلق من بيروت إلى العديد من المناطق اللبنانية، احتفاءً بعيد الميلاد المجيد كتظاهرة موسيقية رفيعة المستوى، وبدعوة من رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى المؤلفة الموسيقية د. هبة القواس. شملت الحفلات جميع الأوركسترات الوطنية: الفلهارمونية والشرق عربية وأوركسترا الشباب والأنسمبلات المتعددة. وفي ليلة استثنائية استضافت الكنيسة الإنجيلية الأرمنية الأولى في بيروت الحفل الأول تحت عنوان “Joy & Light of Christmas” في حدث موسيقي روحاني جسّد قوة الفن في خلق فسحات من الأمل والجمال.
افتتحت الحفل الرئيسة القواس بكلمات مقتضبة معبرة عن المناسبة، وجاء فيها: “مساء الميلاد حين يصير الصوت نوراً. نلتقي الليلة لنفتح نافذة في هذا الزمن ندخل منها إلى معنى أعمق للفرح والسلام يقال بالموسيقى لا بالكلمات. من لبنان هذا الوطن الذي يعرف كيف ينهض بالصوت حين يتعب الكلام، نهدي هذه الأمسية، وإلى من يجلس هنا ليستمع وإلى كل من يقف على الخشبة ليمنح، وإلى كل يد عملت في الظل كي يصل هذا النور إليكم كاملاً. ونوجه تحية امتنان عميقة إلى الكنيسة الإنجيلية الأرمنية الأولى في بيروت وإلى مجلس إدارتها ورئيسه وإلى راعيها الجليل القس جيرار غزاريان، على احتضانهم دائماً وعلى فتح أبواب هذه الكنيسة لتكون بيتاً للصوت وملجأً للنور. مع الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية وجوقة جامعة سيدة اللويزة بقيادة الأب خليل رحمة ومع صوت التينور بشارة مفرج الذي يحمل الكلمة بين النفس والنغمة، نبدأ رحلة موسيقية من الصلاة إلى الابتهاج ومن الصمت إلى الرجاء. هكذا نبدأ أولى لقاءات الميلاد وأولى الشموع في سلسلة نور نريدها ممتدة في هذا الموسم. أهلا بكم دعوا الموسيقى تتكلم عنا جميعاً”.
ثم كانت كلمة لراعي الكنيسة الإنجيلية الأرمنية الأولى في بيروت التي تستضيف الأمسية والعديد من أمسيات الكونسرفتوار القس جيرار غزاريان جاء فيها: “نقفُ هنا الليلة لنحتفل بلقائنا الموسيقي المتجدد في عامه الثاني والعشرين. إنه لشرفٌ عظيم للكنيسة الإنجيلية الأرمنية الأولى أن تعتبر المعهد الوطني العالي للموسيقى وهؤلاء الفنانين المبدعين جزءاً من عائلتها. إن هذا التقليد الراسخ، الذي يتيح لنا جميعاً سماع لغة الموسيقى العميقة التي يخاطبنا بها الخالق، يجسد الجوهر الحقيقي للإنجيل. إن هذه الهبة لم تكن لتبصر النور لولا الدعم المتواصل خلف الكواليس والتسهيلات اللوجستية الأساسية التي أمنها القس الدكتور بول هايدوستيان، رئيس اتحاد الكنائس الإنجيلية الأرمنية في الشرق الأدنى. ببالغ التقدير والإجلال، أود أن أحيي وأشكر ضيوفاً مميزين جداً، وهم صُنّاع الجمال في هذه الليلة: رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى الدكتورة هبة القواس، والمايسترو الأب خليل رحمة، والأصوات والأيادي المقدسة في جوقة جامعة سيدة اللويزة والأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية، الذين حضروا الليلة ليخاطبوا أرواحنا ويفيضوا علينا بنورهم”.
وأضاف: “نحن في زمن الميلاد، زمن الاحتفال، ولكنه أيضاً زمن التأمل الصامت في القلوب. وإذا أصغينا بتمعن لأرواحنا، وإذا كنا صادقين مع أنفسنا، سنسمع صدى أنين العالم من حولنا. سنشعر بـ “الشتاء العميق” للحالة الإنسانية، والصمت الثقيل لمخاوفنا، والظلمة والاضطراب اللذين يحيطان بنا. إننا نتوق إلى السلام على الأرض، ونشعر بألمٍ حارق لنورٍ يخرق هذه العتمة. نريد الوضوح والقوة للتغلب على قوى الفوضى والدمار، وكثير منا يصرخ مصلياً: “يا رب، افعل شيئاً!”.
وتابع غزاريان: “لكن قصة الميلاد تقدم لنا صدمةً، وحكمةً تقلب كل مفاهيمنا عن القوة: إن خالق الكون لا يشق السموات بالرعد ولا يقهر الظلام بالقوة. إن الله لم يأتِ إلينا كجيشٍ قاهر، بل صار “اللامحدودُ” طفلاً. اختار السر الإلهي أن يدخل فوضانا من خلال الصوت الأكثر هشاشةً وضعفاً وارتجافاً: صرخة وليدٍ عارٍ في الصقيع. هذه هي “مفارقة” التجسد. إن الله يوجد في الضعفاء لا في الأقوياء. عادةً، نحن نحاول إخفاء ضعفنا وهشاشتنا، ونبحث عن الأقوياء ليخلصونا، ونخجل من عيوبنا. لكن الميلاد يخبرنا أنه في ضعفنا وهشاشتنا تحديداً، يسطع نور الله في أبهى صوره.
لذا، أدعوكم الليلة لتروا النور وتشعروا بدفء الأعياد. ولكن قبل كل شيء، أدعوكم للكف عن محاولة التظاهر بالقوة. بدلاً من ذلك، استسلموا لجمال هذا الموسم. دعوا الموسيقى تخترق قلوبكم، وتحطم دفاعاتكم، ثم اسألوا أنفسكم: “هل هناك متسعٌ في مِذوَدِ قلبي لهذا النوع من الحب المفاجئ؟”. إن تلك الشرارة الصغيرة واللطيفة من التسامح أو الرحمة التي تشعرون بها في أعماقكم هي “الحياة الإلهية” التي تنتظر أن تولد فيكم”. وختم: “لتكن موسيقى هذه الأمسية هي الرَّحِم لتلك الحياة الجديدة، ولتغادروا هذا المكان وأنتم تعلمون أنكم محبوبون بحبٍ أبدي.أهلاً بكم في النور. أهلاً بكم في الدفء. وأهلاً بكم في عالمٍ جديد قلبه طفلٌ صغير في مِذوَدٍ متواضع. هل قلوبكم مستعدة؟ إذاً، فليبدأ النور”.
انطلق الحفل بعمل موسيقي مهيب حبس الأنفاس، وهو نص “قانون الإيمان” المسيحي بعنوان “نؤمن” للمؤلف اللبناني القدير إياد كنعان. جسدت المقطوعة رحلة إيمانية ملحمية، حيث نجح كنعان في صياغة جمل موسيقية تجمع بين الهيبة الكنسية والعمق الفلسفي.
بدأ العمل بتوزيع أوركسترالي كثيف وبناء تصاعدي (Crescendo) مذهل، حيث تلاحمت أصوات الكورال مع الآلات الوترية لتعطي شعوراً بالثبات والقوة. فبرزت قدرة كنعان الفائقة على تطويع التوزيع الكلاسيكي لخدمة النص الروحاني، مما جعل “نؤمن” حجر الزاوية في الحفل، ومنح الجمهور شعوراً بالرهبة والسمو منذ اللحظات الأولى، ولاسيما لما يمثّل هذا النص المقدس من رمزية كبيرة للمؤمنين، كونه قانون الإيمان في المسيحية. وهذا بالتالي ما يعطيه أبعاداً ليتورجية إيمانية عميقة يجعل تلحينه عملاً صعباً ومعقداً. وعلى رغم طبيعة النص ونمطه الديني البحت، تمكن كنعان من ابتكار توليفة شديدة التوهج الموسيقي، تحاكي صلب البيان الكنسي في سرديّته التاريخية والإيمانية، في وصف موسيقي مذهل وتوزيع أوركسترالي آلاتي شديد الخصوصية. وأضفت على هذا العمل الملحمي آفاقاً واسعة مرافقة التينور بشارة مفرّج منشداً للنص، في تداخل روحاني للصوت الرحب والموسيقى المهيبة، فحمل النص بصوته على موسيقاه المترفة والممتدة كسماء مترامية. فاستمع الجمهور إلى تحفة فنية مدهشة وعميقة التأثير الفني والروحي والديني، شارك في إنجازها مجموعة مذهلة من العناصر الفنية من الأوركسترا التي تلقفت اللحن والتوزيع بأداء باهر، إلى مهارة القيادة مع الأب خليل رحمة، وإبهار الأداء لصوت جماعي ساحر مع كورال جامعة سيدة اللويزة، والصوت المحلق في فضاءات هذا العمل ومداراته التينور بشارة مفرّج. وكل هذه العناصر استلهمت نجاحها من التأليف الموسيقي العظيم لنص غير مسبوق في التلحين مع المؤلف إياد كنعان.
تميز البرنامج بتنوعه الشديد بين المدارس الموسيقية المختلفة: العمق الروسي (رخمانينوف): في قطعة “Bogoroditse Devo”، استعرضت جوقة جامعة سيدة اللويزة (NDU Choir) قدراتها الفائقة في الغناء “أكابيلا” (A Cappella) في أجزاء منها، مع التركيز على الطبقات الصوتية العميقة التي تميز التراث الروسي، مما أضفى جواً من السكينة.
التينور بشارة مفرج وسطوة “Domine Deus” هنا تجلت مدرسة الأوبرا الإيطالية، حيث قدم التينور العالمي بشارة مفرج أداءً مبهراً لقطعة روسيني. تميز أداؤه بالتحكم العالي في الطبقات الحادة (High Notes) والمرونة في الانتقالات الصعبة، مما جعل الكنيسة تتماهى مع صوته القوي الذي ملأ الأرجاء.
استحوذت أعمال جون روتر على حصة الأسد، مثل “Joy to the world” و”Silent Night” كان أداء الأوركسترا الفلهارمونية هنا مفعماً بالحيوية، مع استخدام ذكي لآلات النفخ والبيركاشن لإضفاء صبغة احتفالية (Festive) أما في قطعة “Sleigh Ride”لأندرسن، فقد برعت الأوركسترا في محاكاة أجواء الشتاء والمرح بأسلوب سينمائي شيق.
قدم الأب رحمة قطعتين هما “اختلطي أيتها الأبواق السماوية” و”هللويا بضيعة زغيرة”. اتسم الأداء هنا بالدفء والميلوديا الشرقية الموزعة أوركسترالياً بعناية، مما ربط الجمهور بجذوره وبيئته اللبنانية.
أثبتت الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية أنها العمود الفقري للحياة الموسيقية في لبنان، حيث قدم العازفون أداءً يتسم بالدقة العالية في التوقيت والانسجام بين المجموعات الآلية.أما جوقة جامعة سيدة اللويزة (NDU Choir) تحت قيادة وتدريب الأب خليل رحمة، فكانت النجمة التي تضيء بأصواتها أعمق المشاعر الإنسانية، وأظهرت مرونة مذهلة في الانتقال بين اللغات (العربية، اللاتينية، الروسية، والإنجليزية) وبين الأنماط الموسيقية من الكلاسيك الجاد إلى الأغاني الميلادية الخفيفة. وذلك تحت قيادة المايسترو الأب خليل رحمة الذي قاد ببراعة فائقة العازفين والمنشدين، موازناً بين قوة الأوركسترا ورقة أصوات الجوقة، ومحافظاً على إيقاع متدفق لا يعرف الرتابة.
اختتم الحفل بـ “Hallelujah” لهاندل، وهي القطعة التي تتطلب طاقة جبارة. وقف الجمهور احتراماً وتقديراً للأداء الذي كان بمثابة شلال من الفرح والنور، ليعلن نجاح هذه الليلة التي ستبقى محفورة في ذاكرة الليالي الميلادية الراقية كرسالة حب من قلب بيروت إلى العالم.
