كتب طوني كرم في نداء وطن:
دينامية جديدة وواعدة ترافق بداية السنة القضائية في لبنان، مع تأكيد أوساط قضائية رفيعة جهوزية مرفق العدالة لاغتنام هذه “الفرصة الذهبية” وإثبات قدرته على إعادة الانتظام المطلوب إلى السلطة القضائية، الركيزة الأساسية لقيام دولة القانون والمؤسّسات.

فبعد أعوام من التعثر والشلل، علمت “نداء الوطن” أن رئيس مجلس القضاء الأعلى، الرئيس الأول سهيل عبّود، يستعدّ لنشر تقرير يتجاوز 220 صفحة، يتناول أزمات السلطة القضائية غير المسبوقة بين 2019 و 2024، ويشخّص الأسباب الأساسية والتحدّيات الوجودية والإجراءات التي اتخذها المجلس لتخطي العقبات. ويُنتظر أن يشكّل هذا التقرير قاعدة دقيقة لطرح مقاربة واقعية لواقع العدلية والشروع في إعادة الانتظام المطلوب لدورها، في ظلّ توافق نادر بين مجلس القضاء الأعلى ووزارة العدل ورئاستي الجمهورية والحكومة، ما فتح الباب أمام مقاربة مختلفة للملفات الحسّاسة التي لطالما شكّلت عقدة العقد.

تجارب سابقة… ومشهد مختلف

العلاقة بين وزراء العدل المتعاقبين ورئيس مجلس القضاء الأعلى لم تكن يومًا محكومة بالانسجام. فقد اصطدمت الوزيرة السابقة ماري كلود نجم بالمجلس في ملفي التشكيلات القضائية وتعيين المحقق العدلي في قضية مرفأ بيروت، فيما بدا الوزير الأسبق هنري الخوري عاجزًا عن فرض أيّ قرار من داخل وزارته. وتشدّد المصادر على أن العقدة لم تكن في مجلس القضاء، بل في إرادة سياسية وحزبية سعت إلى تطويع العدلية، ورافقها تهديد علنيّ من “حزب اللّه” عبر وفيق صفا بهدف قبع المحقق العدلي وتعطيل مسار كشف الحقيقة.

لكن المشهد اليوم مختلف. إذ يلتزم وزير العدل الحالي عادل نصار والرئيس الأول سهيل عبّود حدود القانون في تحديد الأدوار، ما أتاح إنجاز تشكيلات واسعة شملت 524 قاضيًا بسلاسة غير مسبوقة، وأسقط حجج القوى التي حمّلت مجلس القضاء الأعلى مسؤولية العرقلة. وما تشهده العدلية اليوم يُعتبر إنصافًا غير معلن لرئيس مجلس القضاء، لا بل غير مطلوب!.

رهانات كبرى ومحاسبة

آمال كبيرة تُعلَّق على القضاء سواء في ملاحقة ملفات الفساد أو إنهاء الاستنسابية في فتحها. وقد حملت التشكيلات الأخيرة رسالة واضحة وفق المعنيين: لا حصانة لأحد والكفاءة هي المعيار. ورغم اعتراضات محدودة، فإن مصارحة القضاة بالمعايير المعتمدة “أقنعت” المعترضين. وترافقت هذه الخطوة مع إعادة تفعيل التفتيش القضائي، والتشديد على مبدأ محاسبة من لا تثبت أهليته خلال الأشهر الستة المقبلة.

وتكشف مصادر قضائية أن ورشة “التنقية الذاتية”، التي بدأت عام 2019 وأخرجت 13 قاضيًا، ستستكمل اليوم على نطاق أوسع مع وضع التفتيش يده على ملفات تطول أكثر من عشرين قاضيًا. التحقيقات لن تقتصر على أداء القضاة، بل ستطول ملفات فساد وهدر مال عام وتغطية ارتكابات سياسية ونافذين ستغصّ أروقة العدلية مع استدعائهم، وسط تأكيد المعنيين، أن الفساد لا طائفة له، وأن المتورطين ينتمون إلى مختلف الانتماءات.
المرفأ والسجون: تحدّيان أساسيان

رغم الرهان الكبير على دور القضاء في فتح العديد من الملفات، يبقى ملف تفجير مرفأ بيروت الاستحقاق الأبرز. فالمعنيون يؤكّدون أن التحقيقات تسير على السكة وأن القرار الاتهامي سيصدر عاجلًا أم آجلًا، رغم الضغوط الكبيرة التي مورست لعرقلة عمل المحقق العدلي، لتبقى كلمة الفصل للمجلس العدلي والبتّ بصوابية مسار المحقق العدلي طارق البيطار من عدمه.

أما الاكتظاظ في السجون، فيُعدّ تحدّيًا محوريًا، وتؤكّد الأوساط القضائية لـ “نداء الوطن”، أن الجهود تتركز على تسريع المحاكمات، سواء لإنصاف الموقوفين الأبرياء أو لمحاسبة المرتكبين. ويُنتظر أن يؤدّي استئناف العمل في محكمة رومية وتعيين أعضاء المجلس العدلي إلى تسريع إصدار الأحكام وفتح باب مقاربة ملف السجناء على أسس قانونية سليمة.
القانون الجديد والاستقلالية

في موازاة ذلك، يعاد النقاش حول مشروع قانون تنظيم القضاء العدلي بعد ردّه من رئيس الجمهورية بسبب ما تضمّنه من ثغرات. وتشير المصادر إلى أن استقلالية القضاء ليست شعارًا سياسيًا بل آلية عملية تبدأ بكيفية تأليف مجلس القضاء وصلاحياته، مرورًا بتعزيز دور التفتيش، وصولًا إلى الاستقلالية المالية. وتشدّد على أنّ انتظام عمل المحاكم يبدأ من تعيين مدعي عام التمييز، وأعضاء مجلس القضاء الأعلى، ورؤساء محاكم التمييز والتفتيش وصولًا إلى التشكيلات الجزئية والشاملة التي شهدتها السلطة القضائية؛ وتؤكّد أن القضاة لن يتوقفوا عن أداء رسالتهم إلى حين إقرار القانون الجديد، إذ إن العدلية “لن تولد مع القانون المرتجى ولن تموت بغيابه”.

التحدّي المالي ومشاريع التطوير

ومع غياب أي دعم خارجي للسلطة القضائية وتفاقم التحدّيات المالية التي تمرّ بها، تكشف أوساط مطلعة لـ “نداء الوطن” أن مجلس القضاء الأعلى يعمل على تأمين موارد بديلة لدعم القضاة، بما يحفزهم على التفرّغ لملفاتهم رغم الانهيار الاقتصادي. وتؤكّد أن العدلية تستعدّ لمواكبة إدخال مشاريع عدة حيّز التنفيذ، تبدأ من تطوير عمل المحاكم إلكترونيًا وتوثيق بيانات القضاة، ولا تقف عند تحديث أخلاقيات المهنة بما يتناسب مع واقع الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.

بين الأمل والقلق، تتوقف مصادر قضائية عند الحاجة الملحّة للوثوق بالقضاء وعدم التشكيك في الإجراءات التي سيقدم على اتخاذها. سنة قضائية تنطلق برهانات كبرى على التنقية الذاتية، المحاسبة، تسريع المحاكمات، وإعادة الانتظام والثقة بالقضاء كشرط لقيام دولة القانون والمؤسّسات. فإمّا أن تشكل انطلاقة صلبة نحو دولة المؤسسات، وإمّا أن يتكرّر مشهد الفشل عند أول امتحان، في الحالتين، يبقى القضاء في صلب معركة بناء الدولة أو انهيارها.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version