كتب جو رحال في نداء وطن:
تحوّل المؤتمر الصحافي للمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم برّاك، في قصر بعبدا إلى أزمة دبلوماسية غير مسبوقة، بعدما وصف الصحافيين اللبنانيين بكلمة “animalistic” داعيًا إيّاهم إلى “التصرّف بطريقة متمدّنة، طيبة، ومتسامحة”، مهدّدًا بترك القاعة إذا ما سادت الفوضى. العبارة التي أُطلقت من قلب القصر الجمهوري بدت بمثابة إهانة مزدوجة: للصحافة اللبنانية ولرمزية بعبدا بما تمثله من سيادة وطنية.
ردود الفعل جاءت سريعة وحادّة؛ فقد عبّر وزير الإعلام عن أسفه الشديد عبر اتصالات مع دوائر القصر مؤكّدًا وجوب صون كرامة الجسم الإعلامي. أمّا نقابة محرّري الصحافة فأصدرت بيانًا ناريًا رأت فيه أنّ ما صدر يشكّل “معاملة غير لائقة تمسّ بحرية وكرامة الصحافيين”، مطالبة باعتذار علني من برّاك ووزارة الخارجية الأميركية ومهدّدة بمقاطعة نشاطاته. ورئاسة الجمهورية بدورها أكّدت في بيان رسمي أن الإعلاميين الذين يغطون الأحداث الوطنية من بعبدا “يحظون بكامل التقدير والاحترام”.
الأزمة سرعان ما خرجت إلى الشارع، إذ شهدت صور والنبطية تظاهرات غاضبة رفعت شعارات مناهضة للولايات المتحدة و “حزب اللّه” استغلّ الموقف للتأكيد أنّ واشنطن لا تحترم السيادة اللبنانية. وأمام الغليان الشعبي، اضطرّت السفارة الأميركية إلى إعلان إلغاء زيارة برّاك المقرّرة إلى صور وخيام لدواعٍ أمنية، بعدما كان من المفترض أن يطلق من الجنوب مشاريع استثمارية مدعومة خليجيًا مرتبطة بخطة نزع سلاح “الحزب” وإقامة منطقة اقتصادية خاصة. الإلغاء شكّل انتكاسة واضحة لمهمته وأظهر أنّ الأزمة اللفظية تحوّلت إلى خسارة سياسية ميدانية.
برّاك حاول لاحقًا احتواء الموقف عبر اعتذار متأخر في مقابلة إعلاميّة، معترفًا بأنّ استخدامه الكلمة كان “غير مناسب” وأنه كان يسعى فقط لتهدئة الأجواء. لكنّ الاعتذار لم ينجح في إطفاء الغضب، إذ رأت النقابات الإعلامية أنّ الضرر وقع بالفعل وأنّ صورة الموفد الأميركي باتت مهشّمة. وفي موازاة ذلك، اعتبرت أوساط سياسية لبنانية أنّ الحادثة عكست ذهنية فوقية في التعامل مع لبنان، وأنها ستؤثر سلبًا في قدرة واشنطن على تسويق خطتها المعروفة بـ “حصر السلاح”، خصوصًا أنّ الشارع بدا موحّدًا في رفض الإهانة، حتى بين من يختلفون سياسيًا حول جدوى هذه الخطة.
الخلاصة أنّ ما جرى في بعبدا لم يكن مجرّد زلّة لسان، بل محطة مفصلية سقطت فيها هيبة الدبلوماسية الأميركية تحت ثقل كلمة غير محسوبة. فبدلًا من تعزيز نفوذ واشنطن، خرجت بيروت بخلاصة واضحة: لا خطة ولا استثمار ولا شراكة يمكن أن تنجح على حساب كرامة الإعلام والسيادة. والدرس الأبرز أنّ الدبلوماسية تبدأ من احترام الكلمة، ومن يستخفّ بها يخسر معركة الرأي العام قبل أن يبدأ التفاوض.