كتبت جومانا زغيب في نداء وطن:
إذا كان “حزب اللّه” يلعب على حافة الهاوية معتمدًا التصعيد البياني والتهويل في كلّ اتجاه، متمسّكًا بسلاحه “حتى آخر إبرة” كما قال أحد نوّابه، فإنّ الحقيقة في مكان آخر، لأنّ “الحزب” لم يعد ما كانه قبل “حرب الإسناد”، ولأن الجميع يعرف أنّ إمكاناته العسكرية والمالية أو حتى البشرية لم تعد بالقدرات ذاتها. وبحسب المعلومات المتوافرة، فإنّ “الحزب” خسر الجزء الأكبر من سلاحه الاستراتيجي وإن كان يحتفظ بكميات محدودة منه نسبيًّا، كما أنّ سلاحه الثقيل تعرّض لضربات موجعة نتيجة إصراره على الاستمرار في مواجهات، بدا من اللحظة الأولى أنها لن تكون لمصلحته.
وتلفت المعطيات إلى أنّ “حزب اللّه” يتلطّى بالصبر وبرفض الانزلاق إلى الحرب مجدّدًا، لأنه يدرك عمليًّا عجزه عن الردّ النوعي المعهود على الاعتداءات الإسرائيلية، علمًا أنّ أيّ ردّ سيكشف تراجع إمكاناته وسيقدّم فرصة لإسرائيل كي تتعرّض لقياداته التي سقط الأبرز منها قبل وقف إطلاق النار، وكي تهاجم مواقع ومستودعات لا تنفكّ تراقبها كما يبدو عبر طلعات طيرانها الحربي ومسيّراتها.
من هنا، يُمكن تفسير لجوء “الحزب” مدعومًا من إيران، وبشكل نافر ولا يخلو من المزايدة، إلى التهديد والوعيد ورفع السقف، لعلّه يستطيع الحفاظ على ما تبقّى، ويجرّ الدولة اللبنانية إلى ساحته لتفاوض لا ينتهي وشروط متنوّعة في انتظار تغيير ما أو مفاجأة ما. لكن ما يدلّ على ضعف موقفه هو اعتماده التلويح بمحاذير صدام مع الجيش اللبناني، ومخاطر الانزلاق إلى حرب أهلية، مع العلم أن “الحزب” هو الذي لا يتحمّل أي صدام مع الجيش، ويعرف في المقابل أنّ الحرب الأهلية غير واردة، لأنّ أحدًا لا يريدها، ولأن الجيش نفسه سيمنع حصولها، ومن خلفه الأكثرية الساحقة من اللبنانيين.
ولذلك، وبحسب أوساط مرجعية رسميّة، فإنّ التعاطي مع “الحزب”، يتمّ وفق أسلوب مدروس، يراوح بين تجاهل مواقفه وتجاهل الردّ المباشر عليها، سواء أكانت مباشرة أم عبر بعض وسائل الإعلام القريبة منه، لأنّ الدولة تثق بصوابية موقفها وتعرف جيًّدا أنّ “الحزب” لا يبحث عن مواجهة بقدر ما يبحث عن رفع سقف شروط معيّنة لن يفصح عنها بوضوح، لكنها في مطلق الأحوال لا يمكن أن تمثّل عقبات، باعتبار أنّ سيادة الدولة لا تقبل التفاوض، لكن الدولة حكمًا وحكومة يمكنها أن توفّر ضمانات بأن يكون التعاطي مع “الحزب” وبيئته سواسية مع سائر القوى والبيئات، مع تقدير تضحياته ودوره في المقاومة، وبالتالي فإنّ هذا الالتزام هو أكبر ضمانة.
عندما سئل قيادي مسيحي بارز منذ أيام في مجلس خاص، أليس من حق “حزب اللّه” أن يخاف، لا سيّما في ظلّ التغيّرات المتسارعة بعد حرب غزة؟ أجاب: “على العكس، ليشكر “حزب اللّه” ربّه أنّ السلطة اليوم هي سلطة وطنية متوازنة ويشارك فيها حكوميًّا ولديه إحدى كبرى الكتل النيابية، وبالتالي ثمة فارق كبير بين واقعه اليوم وبين “القوات اللبنانية” عندما سلّمت سلاحها وكانت القوة العسكرية الأبرز في لبنان، على الرغم من الشكوك الكبيرة في نوايا النظام السوري، وما حصل بعد ذلك من وقائع أكّدت تلك الشكوك قمعًا وتنكيلًا، اعتقالًا واغتيالًا”.
على خط آخر، من الواضح أنّ المؤسّسة العسكرية تتعرّض اليوم لمحاولات خبيثة لافتعال إشكالات في وجهها، ومحاولة إرباك قيادتها، علمًا أن شخصية معنيّة مخضرمة تطمئن إلى أنّ الجيش متماسك إلى أبعد الحدود، وإلى أن قيادته تتصرّف بما تفرضه المناقبية وما يفرضه الدور الطبيعي للجيش، مع الحرص على التزام دقيق بتوجيهات المراجع الرسمية.
ويقول: “فليدرك الغيارى أنّ الجيش هو اليوم الأقوى، وأن وحدات النخبة فيه على جهوزية تامة لخوض مختلف المهمات، وأن وحدته منيعة على شتى المحاولات للنيل منها. ليس أدلّ على ذلك أكثر من معركة مخيم نهر البارد التي واجه خلالها الجيش مقاومة عنيفة جدًّا، وقيل الكثير حول إمكان رفض العسكريين السنّة أو تحفظهم على خوضها، ليتبيّن أنهم لم يتأثروا البتة بكل ما يخرج عن الانضباط، بل إن أكثرية الشهداء الذين سقطوا في تلك الحرب كانوا من السنّة وبخاصة من أبناء الشمال”.
أما في ما خصّ قوات “اليونيفيل” في ضوء التجديد لها على الأرجح للمرّة الأخيرة، فإنّ هذه القوات كما يبدو عازمة بقرار أممي على لعب دورها كاملًا خلال العامين المقبلين، ولن تتردّد تدريجًا في إثبات حضورها إلى جانب الجيش اللبناني.