كتب حسن فقيه في المدن:
فجّرت ورقةُ الموفدِ الأميركي توم بارّاك شرارةَ النزاع في قلب حكومةِ الرئيس نواف سلام، إذ جاءت – بحسب مصادر الثنائي الوزارية لـ”المدن” – خاليةً من أيِّ ضماناتٍ تحفظ الحقَّ اللبناني، ومحمَّلةً بما يمسُّ جوهرَ السيادة، ومتجاهلةً أمنَ الحدود، وعاجزةً عن الموازنة بين مخاوف لبنان المشروعة والعدوانية الممنهجة لإسرائيل. إنّها ورقةٌ تُكبِّل لبنان باتفاقٍ جديد، وتنازلاتٍ مُهينة، فيما إسرائيل – التي ما زالت تضرب عرض الحائط بالتزاماتها المنصوص عليها في اتفاق السابع والعشرين من تشرين الثاني حتى الآن – لم تُبدِ أصلًا موافقتها على هذه الورقة المستحدثة. وبهذا الخطاب، يقف وزراءُ «الثنائي» في وجه زملائهم داخل الحكومة اللبنانية، فما هي هذه البنود التي يرونها تُضعف لبنان، وتفتح ثغورَ حدوده، وتخرق أسوار سيادته؟
طبيعة الخلاف
تفنّد مصادر الثنائي الوزارية لـ”المدن” أوجه النزاع الحكومي، وتؤكد أنّ الخلاف ليس مع الجيش اللبناني، المؤسسة الوطنية الجامعة لكل لبنان، وأنها ليست إطلاقاً ضد مبدأ حصرية السلاح الذي طُرح في البيان الوزاري ونال ثقة الثنائي «حركة أمل» و«حزب الله». وتشدّد المصادر على أنّ من غير المسموح لأحد أن يضع الثنائي – بما يمثّل – وكأنّه في مواجهة الجيش، بل جلّ ما تمّ طلبه هو عدم تقييد الجيش بمهل زمنية تبدو في إطار الاستحالة، نظرًا إلى الظروف التي يعرفها الجميع. وترى المصادر أنّ وضع الجيش في هذا الإطار، وتحت هذا الضغط، ليس في مصلحته أبدًا قبل إنجاز اتفاق سياسي يؤمّن عملًا آمنًا وتعاونًا كاملًا معه. وتضيف أنّ الورقة الأميركية، بتفاصيلها، تتضمن أفخاخًا يتغاضى عنها البعض، بينما “تعلو أصواتنا” – بحسب تعبير المصدر – للفت النظر إليها قبل فوات الأوان.
أولًا: الإتفاق يتحدث عن تثبيت الاتفاق وتمديده وشموليته، فهل التزمت إسرائيل بما عليها في الاتفاق السابق كي يتم الانتقال إلى اتفاق جديد؟ وهل المطلوب تقديم تنازلات إضافية تجرّ إلى تنازلات، قبل أي ضمانات من قبل إسرائيل لالتزامها بالاتفاق الذي ترعاه الولايات المتحدة؟
ثانيًا: ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل ورد في الورقة، لكن من دون ذكر الصيغة. فمن يضمن المحافظة على مساحة لبنان الكاملة وعدم قضم أجزاء منها في ظل التعجرف الإسرائيلي الحاصل؟ ومن يضمن عدم تغيير الرسم الحدودي في ما بعد؟ فهل شعار “10452” سيتم المحافظة عليه؟ ومن يضمن ذلك إذا لم تضمنه الورقة الأميركية؟
ثالثًا: مزارع شبعا، وهي نقطة محورية وخلافية، يعلم الجميع لبنانيتها، ورد ذكرها بصيغة الترسيم، لا بصيغة لبنانيتها المعترف بها بوثائق لدى الأمم المتحدة، وهي أراضٍ محتلة منذ زمن من قبل إسرائيل.
رابعًا: كيف يجتمع لبنان ويوافق على هذه النقاط المتعلقة بأطراف أخرى (إسرائيل – سوريا)، من دون معرفة رأي الجانب الإسرائيلي، الذي من الواضح أنّه لا يعير أي اهتمام لأي مواثيق أو أعراف أو منظمات دولية، وحتى من دون معرفة رأي الجانب السوري الذي يعاني تخبطًا داخليًا؟
خامسًا: النقطة المتعلقة بمنطقة الوزاني – التي تشكل محطة مائية مهمة – يعرف جميع اللبنانيين أنّ الهاجس المائي الإسرائيلي يوازي هاجسها الأمني، وكان سببًا لاحتلال إسرائيل للبنان لعقود، إضافةً إلى أسباب أخرى.
سادسًا: يتم التوجّه إلى لبنان في الورقة بصيغة الأمر، بينما يتم التوجه إلى الدول الضامنة بصيغة “السعي”. فأين الضمانات والمساواة، بعد أن يكون لبنان قد خسر نقاط قوته كافة، معتمدًا فقط على حسن نوايا الدول الأخرى؟
غياب التوافق السياسي
تؤكد مصادر الثنائي الوزارية لـ”المدن” أنّ استمرار دعم الجيش اللبناني في ورقة بارّاك غير مضمون. فماذا لو توقف الدعم بعد فترة زمنية معينة؟ أليس الشرط الأول لحصرية السلاح هو بناء جيش قوي قادر على مواجهة مخاطر الاحتلال وأطماعه؟ أم أنّ حدودنا ستصبح مشرّعة؟ وتوضح المصادر أنّه لا تشكيك أبدًا في عقيدة الجيش ووطنية عناصره، لكن حماية الأوطان اليوم تحتاج إلى إمكانات وسلاح وتطور تكنولوجي. كما أنّ المهل التي حُددت للجيش لن يستطيع الالتزام بها، فهي مهل قصيرة، وتأتي في ظل خلاف سياسي، وتغاضٍ عن مخاوف مكوّن كبير في البلد.
ولا تغفل مصادر الثنائي الوزارية عن ذكر غياب الاتفاق السياسي على ورقة بارّاك الثالثة، وترى أنّه كان من الأجدر أن يتم الاتفاق عليها قبل عرضها ومناقشتها في مجلس الوزراء، لأن طبيعة لبنان السياسية معروفة، والمسألة سيادية لا تخص فئة معيّنة أو طائفة معيّنة، بل تخص جميع اللبنانيين على اختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم، ولو حاول البعض وضعها في إطار طائفي أو حزبي.
وتشدد على أنّ قرار هذه الحكومة سيؤثر على أجيال قادمة، ولا يجوز أن يُسجّل في تاريخها أنّها حكومة التنازلات للخارج، وحكومة التفريط بالسيادة اللبنانية. وتوضح أنّ خطورة الورقة تكمن في تفاصيلها، لا في المبادئ العامة، وأن من يعتقد أنّه يسجّل انتقامًا من مكوّن معيّن بإقرارها كما هي، فهو مخطئ، لأن تردّداتها ستطال كل لبنان. وتشير المصادر إلى أنّها تمنّت على رئيس الجمهورية إطلاق حوار وطني، لأن الموضوع يتعلق بالسيادة اللبنانية، بهدف الوصول إلى نتيجة موحّدة تحافظ على استقلال البلاد، لكنها لم تلقَ جوابًا. وتلفت إلى أنّها تقدّر حجم الضغوط الدولية والتحديات الداخلية الملقاة على عاتق الرئيس والحكومة، لكن الأمر سيادي بحت. فهل يعقل أن يكون الرد – في حال خرقت إسرائيل الاتفاق – هو توبيخها والشكوى لمجلس الأمن؟ وتتساءل: ماذا فعل المجلس أمام مئات الشكاوى المقدّمة بحق إسرائيل؟ وتدعو المصادر شركاء الوطن للتعاطي مع الأمر بجدية العارف بأطماع إسرائيل، وعدم تحويله وكأنّه سيولّد نزاعًا بين المقاومة والجيش، فهذا أمر بعيد جدًا عن الواقع.
الاستقالة غير مطروحة
وحول مسألة الاستقالة في حال استمرار الإجراءات الحكومية من دون رضى الثنائي الشيعي، تؤكد المصادر لـ”المدن” أنّها غير مطروحة حاليًا، لكن في لبنان لا أحد يضمن شيئًا. فالوقت ضيق، والمطلوب كبير، والسيادة في خطر. ونحن نفضّل المواجهة على الاستقالة، لكننا لا نعرف ما قد تحمله الأيام المقبلة “، تقول المصادر. وتختم بالتشديد على أنّ المهم أن يخرج اللبنانيون من النظرة الطائفية إلى الأمر، وأن ينظروا إليه من زاوية السيادة، والمحافظة على كامل الأراضي اللبنانية، وإنهاء الاحتلال، والنهوض بالبلد.